بث تجريبي
منصة رقمية متخصصة بقضايا التغير المناخي في مصر والشرق الأوسط

تفضح أكذوبة “مصر جنة اللاجئين”.. قصة الطفل أكوك التي لن يحكيها أحد

28 أبريل 2021، كان يومًا رائعًا بكل ما تحمله الكلمة من معان، رقص فيه الطفل “أكوك” بسعادة بالغة، وملأت الفرحة قلبه، وهي أحاسيس قلما يشعر بها من أجبروا على الهجرة وترك بلادهم رغمًا عنهم.

لكن الأقدار كتبت لهذا اليوم السعيد نهاية مرعبة، لن تنمحي تفاصيلها أبدًا في ذاكرة من عاشوها.

 

(1)

أكوك أكول أكول، 14 عامًا، طفل من دولة جنوب السودان، جاء رضيعًا إلى مصر مع عائلته قبل 13 عامًا هربًا من الفقر والجوع والصراع الذي مزق موطنه.

يعيش أكوك الذي يعاني من التلعثم وعسر التلفظ بسبب مرض في لسانه، مع والدته وإخوته في حي عين شمس الفقير بضواحي القاهرة، بعدما حصلوا جميعًا على حق اللجوء عبر المفوضية السامية لشئون اللاجئين.

خرج أكوك من منزله عصر الأربعاء ملبيًا دعوة ابنة خالته التي تسكن في حي دير الملاك بوسط القاهرة، لاجئة في مصر أيضًا، للاحتفال معها بيوم مولدها، مصطحبًا معه بنات خالته الأخرى- لاجئات أيضًا- واللاتي يسكن بالقرب منه في نفس الحي.

ظل الحفل حتى فجر الخميس، وقتها انتبه أكوك أن الوقت قد تأخر كثيرًا، كان عليه العودة إلى منزله في السادسة صباحًا، قبل ذهاب أمه للعمل، ليرعى إخوته الصغار، وقبلها لا بد أن يصطحب بنات خالته الأخرى إلى منزلهم القريب من منزله في حي عين شمس.

طلب منهم أقاربهم في حي دير الملاك البقاء حتى الصباح، لكن أكوك أصر على الرحيل، وتحرك ومعه بنات خالته الثلاث، 15 و16 و17 عامًا، وركبوا معًا عربة “توكتوك” صغيرة.

ومن هنا بدأت القصة.

 

(2)

في أغلب الأحيان، قلب أكوك لا يخدعه، لذا استسلم بعض الوقت لإحساس غامض داخله بأن خطرًا ما سيعترض طريقهم إلى المنزل، هكذا تسير الأمور دائمًا في هذا البلد الغريب، لا يوم يمر دون مصائب أو أزمات أو منغصات في أفضل الأحوال.

كان يدرك أيضًا أن خروجه في ذاك الوقت المتأخر، حيث الشوارع والحارات المظلمة في حي فقير مليء بالبلطجية ومحترفي الإجرام، هو مقامرة بحياته وحياة من معه، لكن ما باليد حيلة.

أخذ قلبه يطلق إنذارات الخطر وازدادت ضرباته بعنف، والوقت يمر بثقل غير عادي، وهو يحلم باللحظة التي يصل فيها بقريباته إلى منزلهن بأمان، ويلحق أمه قبل السادسة صباحًا.

حاول السيطرة على انفعالاته ومخاوفه كي لا تتسلل لبنات خالته، فشرع لتهدئة نفسه المضطربة بالسخرية منها، لماذا تخشى البلاء قبل وقوعه؟ هكذا قال لنفسه.

نجحت حيله النفسية في تهدئة قلبه الصغير بعض الوقت، ورسم على وجهه ابتسامة تبدو مطمئنة وهو ينصت لإحدى قريباته التي تستعيد بخفتها المعهودة أبرز حكايات اليوم السعيد، حتى سمع ذاك الصوت القادم من بعيد.

 

(3)

دراجات نارية تلاحقهم على ما يبدو، صوت محركاتها المختلطة بزعيق آلة التنبيه الحادة يصم الآذان، عاد قلب أكوك يدق بعنف، وكأنه يصرخ من داخله: كنت على حق.

بعد لحظات قليلة، لمح دراجتين ناريتين بالقرب من “التوكتوك”، واحدة على اليمين والأخرى على اليسار، وقائداها يشيران لسائق التوكتوك كي يقف ويصرخان معًا: قف يا “أسطة”.

أكوك كان ينتفض رعبًا بالمعنى الحرفي، انكمشت الفتيات ذعرًا واحتضن بعضهن البعض بعد ما اخترقت نظرات الشهوة المقيتة أجسادهن.

سائق التوكتوك شعر بالقلق هو الآخر، حاول أن يتجاوزهما بمركبته الصغيرة، فأطلق لها العنان، لكنهما نجحا في اللحاق به وقطعا الطريق أمامه بدراجتيهما ليجبراه على الوقوف، وقد كان.

نزل ثلاثة شباب من فوق الدراجات النارية وأشهروا “مطواة” في وجوه الجميع، وجذب أحدهم السائق من ياقة قميصه بعنف قائلًا: أين تذهب بهؤلاء السودانيين؟

رد السائق: هم زبائن، أوصلهم للمكان الذي يريدونه.

جذب الشاب الأول السائق إلى خارج التوكتوك وذهب به بعيدًا وتحدث معه لدقيقتين، بينما الشابان الآخران يحيطان بالتوكتوك من اليمن واليسار لمنع فرائسهم من الهروب.

عاد الشاب الأول بمفرده، ووقف السائق بعيدًا يتابع ما يحدث باستسلام.

يبدو أن صفقة ما عقدت للتو بين الطرفين.

 

(4)

اقترب الشاب الأول من أكوك وقريباته وأمرهم جميعًا بالنزول من التوكتوك، فنفذوا الأمر صاغرين، وبدأ استجواب سريع لأكوك: إلى أين تذهبون؟ من أين جئتم في هذا الوقت المتأخر؟ من أي بلد أنتم؟ ما علاقتك بهؤلاء العاهرات؟

كان أكوك يرد بكلمات غير مفهومة، فالرعب ضاعف عقدة لسانه العليل أصلًا، وكلما نطق بكلمة لا يفهمها الشاب الأول، انهالت الضربات على وجهه وجسده من البلطجية الثلاثة، ردًا على ما اعتبروه تحديًا من الطفل الصغير لذواتهم المنتفخة، صارخين في وجهه: تكلم جيدًا يا ابن الـ……

أراد أن يخبرهم أن لديه خللًا في لسانه، ولا يقصد تحديهم على الإطلاق، لكنهم لم يسمعوه، وأخرج أحدهم قداحته وأشعلها بالقرب من وجهه، فانتفض أكوك وحاول الإفلات من أيديهم، فعاقبوه على ذلك بحرقه في أماكن حساسة في جسده.

تعالت صرخاته مستغيثًا من هذا العذاب، وشاركته الفتيات الثلاث الصراخ، كانوا يعلمون أن الطريق الخالية في هذه الساعة لن تجود عليهم بمنقذ أو معين، لكنها مجرد محاولة.

بعد دقائق من التعذيب بالحرق، اقترب الشاب الأول من وجه أكوك المذعور، وزفر أنفاسه الكريهة في وجه الطفل وهو يحذره:  لو تتبعتنا سنقتلك.

اقتاد البلطجية الفتيات الثلاث إلى شقة في شارع آدم، بالقرب من منطقة الألف مسكن، وتركوا أكوك خلفهم على بعد أمتار قليلة.

وقف أكوك في عرض الطريق يبكي، كان شعوره بالخزي بعد ما اختطفوا قريباته دون أن يتمكن من حمايتهن، أقوى بكثير من شعوره بآلام الحرق التي أنهكت جسده.

بعد لحظات، قرر أن يلاحقهم، لعله يتمكن من إنقاذ الفتيات، أو يجد من يعينه على هذه المهمة، وبالفعل، أخذ يعدو نحو شارع آدم القريب، لكنه لم يستطع تمييز البناية التي صعد إليها البلطجية من باقي بنايات الشارع.

ماذا يفعل؟ أخذ يصرخ بأعلى صوته طالبًا النجدة من الأهالي، لكن لا أحد يسمعه في هذه الساعة، الكل يغط في نوم عميق.

بعد أكثر من 15 دقيقة من الصراخ المستغيث بلا جدوى، فتحت سيدة خمسينية نافذة شقتها في الطابق الأول بإحدى بنايات الشارع، هنا التقط أكوك أنفاسه، لعلها المنقذ المنتظر، هكذا قال لنفسه، أو بالأحرى، هكذا أعتقد.

 

(5)

قبل 15 دقيقة، صعد البلطجية الثلاثة إلى الطابق الأول بإحدى بنايات شارع آدم، وبصحبتهم الفتيات الثلاث.

على باب المنزل استقبلتهم سيدة خمسينية، والدة الشاب الأول، ودار بينها وبين ابنها حوار سريع، ثم أغلقت الباب بإحكام، لتبدأ مع الابن وصديقيه أولى حفلات تعذيب الفتيات.

استمر حفل التعذيب خمس دقائق تقريبًا، وانتهى بعد أن قرر الشباب الثلاثة اقتياد الفتيات إلى غرف نوم منفصلة لاغتصابهن والاعتداء عليهن جنسيًا، بمباركة وقبول الأم.

بعد أن هدأت صرخات الفتيات واستسلمن للمغتصبين، سمعت الأم صرخات أخرى قادمة من الشارع، فاتجهت مسرعة نحو النافذة لترى أكوك واقفًا بمفرده في وسط الطريق، فاستدعت ابنها، وأمرته بوقف اغتصاب الفتاة التي كانت معه في إحدى الغرف مؤقتًا، والصعود بأكوك فورًا قبل أن يفضح جريمتهم.

في غضون ذلك، كانت الفتاة، التي أنقذها القدر من جريمة اغتصاب كاملة، بمفردها في غرفة النوم، وبعد لحظات من التفكير، اتخذت قرارها وقفزت من نافذة الغرفة، لتهرب من مصير أسود كان في انتظارها بمجرد عودة الشاب الثالث بصحبة أكوك.

تزامن دخول أكوك للشقة، مع خروج الفتاتين الأخريين من غرف النوم بعد اغتصابهن، وبدأ حفل تعذيب جديد للثلاثة بمشاركة الأم أيضًا.

ضرب المعتدون الفتاتين بعصا حديدية، وجردوهما من ملابسهما، وصوروهما عاريتين، وقصوا شعر إحدى الفتاتين بعد أن أحرقوه بالنار، ثم اعتدوا عليهما جسديًا مرة أخرى.

فيما نال أكوك نصيبه هو الآخر من ضربات العصا الحديدية والصفعات ونيران القداحات، قبل أن يقتاده الشاب الأول وأمه إلى المطبخ.

وقفت السيدة الخمسينية تحدد لأكوك المهام التي يجب أن ينجزها بسرعة وكفاءة، من غسل أواني الطعام إلى تنظيف المطبخ بكامله، ثم وقفت تصور ابنها بهاتفها المحمول وهو يركل مؤخرة أكوك كي يعي جيدًا مغبة التقاعس عن العمل المكلف به.

بعدها، أصدرت الأم أوامرها للفتاتين بتنظيف باقي المنزل، وأعلنت فرمانًا صارمًا، بأنهم جميعًا لن يغادروا محبسهم قبل موعد الإفطار عقب أذان المغرب، حتى لو انتهوا من أعمال النظافة قبل ذلك.

كان اليوم هو السابع عشر من شهر رمضان، وكانت الأم صائمة على ما يبدو.

 

 

(6)

بعد ساعات من الحبس والتعذيب والاعتداء الجنسي، بدأ الجيران في شارع آدم التجمع على صوت صراخ الضحايا الثلاث، فحبس المعتدون الضحايا في منور البناية وهربوا، بينما أخلى الجيران سبيل الأطفال الثلاثة.

عاد أكوك لمنزله في العاشرة صباح الخميس، لم يخبر أمه بما حدث، خوفًا من ملاحقة المجرمين له، ولم تلحظ هي آثار التعذيب على جسده.

في اليوم التالي علمت الأم بما وقع لابنها وبنات أختها، بعد ما نشر أحد المعتدين مقطع فيديو لأحدهم يعتدي على أكوك، على تيك توك، وقررت اتخاذ إجراءات قانونية ضد المعتدين.

ذهبت والدة أكوك إلى قسم شرطة عين شمس بالقاهرة لتحرير محضر ضد المعتدين، لكنها وجدت نفسها محاصرة داخل نفس الدائرة المغلقة التي يعاني منها الكثير من اللاجئين في مصر.

يرفض قسم الشرطة تحرير أي بلاغات يتقدم بها لاجئ في مصر دون تقديم أوراق الإقامة الخاصة بالمعتدى عليه، ويطلب تقريرًا من المفوضية أو السفارة لتحرير المحضر، وأحيانًا ترفض السلطات داخل القسم تحرير المحاضر حتى لو كانت الأوراق المطلوبة متوفرة وكاملة، وقد يتسبب اعتراض اللاجئ على هذا التعسف في حبسه أو الاعتداء عليه.

ذهبت أم الضحية إلى المفوضية السامية لشئون اللاجئين لإبلاغهم بالواقعة، لكن طردوها أيضًا، على حد قولها، لعدم وجود موعد، كما ذهبت لمنظمة “سان أندرو”، التي توفر دعمًا للاجئين، من ضمنه الدعم القانوني، لكن أخبروها هناك أنهم ليس لديهم علم بالأمر من المفوضية، ولن يساعدوها.

 

(7)

كانت الوقائع سالفة الذكر هي السر خلف الفيديو الذي انتشر، خلال اليومين الماضيين، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأظهر اعتداءً جسديًا وألفاظًا عنصرية من شاب مصري ضد طفل من جنوب السودان.

لولا أننا تتبعنا الفيديو المنتشر على شبكة الإنترنت للوصول إلى الطفل وعائلته لنكشف حقيقة ما حدث معهم، لكانت قصتهم الآن في طي النسيان، فأغلب وسائل الإعلام في مصر لا تهتم بقضايا اللاجئين ومعاناتهم، ولا تحبذ نشرها خوفًا من أن تؤثر على الصورة التي تصدرها السلطات المصرية للخارج على الدوام بأن مصر جنة اللاجئين على الأرض.

وفق المفوضية السامية لشئون اللاجئين، يعيش في مصر 20.348  من جنوب السودان، ما بين لاجئين و طالبي لجوء، اضطروا للفرار من ديارهم نتيجة الصعوبات الاقتصادية المستمرة وعدم الاستقرار والصراع، والوضع الإنساني المتدهور.

هرب هؤلاء من جحيم الصراع والجوع إلى جحيم العنف والعنصرية، فبعضهم يتعرض بشكل مستمر لاعتداءات بدنية وجنسية بخلاف السرقة والتنمر، وفق الوقائع التي ذكرها لنا بعض اللاجئين المقيمين بحي عين شمس بالقاهرة، وتؤكدها مئات البلاغات المقدمة للمفوضية.

قبل واقعة أكوك بأسبوع، صعد مجموعة من البلطجية إلى منزل لاجئة جنوب سودانية في عين شمس، وسرقوها وهددوا باغتصابها واغتصاب بناتها إذا أبلغت الشرطة عن واقعة السرقة.

أكد لنا عدد من اللاجئين أيضًا أن بعض أهالي حي عين شمس يجبرونهم على العمل بالسخرة، وتنفيذ أعمال نظافة منزلية مرهقة مقابل مبالغ زهيدة جدًا، ومن يرفض يتعرض لاعتداءات عنيفة.

ذلك بخلاف وقائع التنمر والعنصرية والإهانات المتكررة بشكل يومي.

قضية أكوك لن تكون الأخيرة إذا لم تنتبه مفوضية اللاجئين والمؤسسات في مصر إلى تبني حملات توعية داخل المجتمع بخطورة جرائم العنصرية والتنمر والاعتداء البدني والجنسي على اللاجئين، وتوفير حماية حقيقية وكاملة للضحايا والناجين والشهود في قضايا العنصرية والعنف والتعذيب.

قصة أكوك لم تنته بعد، فالأم ستقاتل لمحاسبة المعتدين، ولن تترك حق الأطفال الأربعة، أما نحن، فسنكتب مرة أخرى، أو مرات إذا لزم الأمر، عن أكوك وعائلته حتى يحاسب الجناة.

تابعنا على نبض

قد يعجبك ايضا

اترك رد