بث تجريبي
منصة رقمية متخصصة بقضايا التغير المناخي في مصر والشرق الأوسط

حملة عالمية لـ تجريم الإبادة البيئية وضمها لاختصاصات المحكمة الجنائية الدولية

شنت مجموعة من الدول والمؤسسات المهتمة بحماية البيئة والمناخ حملة عالمية تهدف إلى تجريم الإبادة البيئية وجعل التعدي على سلامة البيئة والمناخ جريمة دولية ينال مرتكبها عقوبة رادعة.

واحتلت الحملة صدارة المحادثات، يوم الثلاثاء الماضي، في الاجتماع السنوي للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، والذي عقد افتراضيًا، بحضور ممثلين عن الدول الأعضاء البالغ عددها 123، وذلك وفق تقرير للمراسلة البيئية كاتي سورما.

و دعت دول بنغلاديش وساموا وفانواتو، وهم من أكثر دول العالم عرضة للتغير المناخي، إلى تجريم تدمير البيئة أثناء منتدى افتراضي حضره أكثر من 1300 مشارك فردي، على هامش الاجتماع السنوي، ما وصفته وسائل إعلام دولية بأنه كان بمثابة صرخة جماعية من الدول الثلاث من أجل العدالة البيئية.

جاء ذلك بعد أقل من شهر من الضغط الذي مارسته الدول الثلاث ومعها عدد من الدول النامية الأخرى، خلال محادثات الأمم المتحدة للمناخ في جلاسكو، من أجل الاستجابة إلى مطالبهم في الحصول على تمويل أكبر من دول العالم الغنية من أجل تخفيف أثار التغيرات المناخية والتكيف معها على حد سواء، لكن نتائج الضغط لم تكن مرضية إلى حد كبير.

قال فيامي نعومي ماتافا، رئيس وزراء ساموا، في بيان مسجل عرض أثناء المنتدى: “نعتقد أن الوقت قد حان لمناقشة كيفية تفويض المحكمة بتطبيق العقوبات على مرتكبي جرائم تدمير البيئة وانهيار المناخ، وهي واحدة من أكثر مشاكل العالم إلحاحًا”.

يُعقد الاجتماع السنوي العشرون للمحكمة، المعروف باسم جمعية الدول الأطراف، في الفترة من 6 ديسمبر إلى 11 ديسمبر في لاهاي، ويحضره جميع الدول التي صادقت على نظام روما الأساسي، والمعاهدة التأسيسية للمحكمة.

المحكمة الجنائية الدولية هي منظمة دولية دائمة يقع مقرها الرئيس في لاهاي بهولندا، وهي هيئة مستقلة عن الأمم المتحدة ولا علاقة بها بمحكمة العدل الدولية التابعة للأمم المتحدة، لكن تم وضع اتفاق بين المنظمتين يحكم طريقة تعاطيهما مع بعضهما من الناحية القانونية.

وتسعى المحكمة إلى وضع حد للثقافة العالمية المتمثلة في الإفلات من العقوبة، وهي أول هيئة قضائية دولية تحظى بولاية عالمية، وبزمن غير محدد، لمحاكمة مجرمي الحرب ومرتكبي الفظائع بحق الإنسانية وجرائم إبادة الجنس البشري.

بدأت المحكمة عملها عام 2002، وبلغ عدد الدول الموقعة على قانون إنشاءها 123 دولة حتى 2015، وتختص في النظر في أربع جرائم: الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والقمع أو شن حرب غير مشروعة.

ولم توقع الصين والهند والولايات المتحدة وروسيا على نظام روما الأساسي وميثاق المحكمة، وليسوا أعضاء في المحكمة، ويشنوا ضدها من حين لأخر حملات انتقاد واسعة، ومع ذلك، فالولايات المتحدة تشارك في جمعية الدول الأطراف بصفة مراقب.

في عام 2019، بدأت فكرة إضافة الإبادة البيئية لاختصاصات المحكمة، باعتبارها الجريمة الخامسة، تكتسب زخمًا كبيرًا، وذلك عندما أصدرت دولة فانواتو، ثم جزر المالديف، دعوة إلى جمعية الدول الأطراف من أجل “الانخراط في حوار” حول إضافة الإبادة البيئية إلى اختصاصات المحكمة.

منذ ذلك الحين، أعرب البابا فرانسيس والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وأكثر من اثنتي عشرة دولة، بما في ذلك المكسيك وفرنسا والسويد وكندا، عن دعمهم للمبادرة الدولية بدرجات متفاوتة.

 

خلال العام الماضي 2020، صوت أكثر من 99٪ من مجموعة مكونة من 150 شخصًا من المواطنين الفرنسيين تم اختيارهم بالقرعة لتوجيه سياسة المناخ في البلاد لتجريم الإبادة البيئية، ما دفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للإعلان عن أن الحكومة ستتشاور مع خبراء قانونيين حول كيفية دمج الجريمة في القانون الفرنسي.

في وقت سابق من هذا الشهر، أقر البرلمان البلجيكي قرارًا يعرب عن دعم كل التشريعات المحلية لمكافحة الإبادة البيئية والجهود الدولية.

 

اقرأ أيضًا.. تغيرات المناخ والإرهاب.. رصاصة جديدة في قلب الشرق الأوسط

 

تجريم الإبادة البيئية

على نحو متزايد، يلفت المدافعون عن البيئة والمحامون وصانعو السياسات الانتباه إلى تأثير التدمير البيئي على السلم والأمن الدوليين، فضلاً عن رفاهية البشرية، مما يضع الإبادة البيئية في نطاق اهتمام القانون الجنائي الدولي.

وتعتبر مؤسسة “أوقفوا الإبادة البيئية Stop Ecocide Foundation”، التي تأسست عام 2017 في هولندا، على يد “ولي هيجينز”، و”جوجو ميتا”، المدير التنفيذي الحالي، أحد أبرز المشاركين بالحملة، وبمبادرة منها تم تشكيل لجنة خبراء مستقلة في شهر يونيو من العام الجاري 2021.

ضَمَّت اللجنة 12 محاميًا وخبيرًا قانونيين من مختلف أنحاء العالم لوضع تعريف للإبادة البيئية Ecocide، وصياغة مشروع قانون يهدف إلى تجريم الإبادة البيئية، وإدراجها ضمن الجرائم الدولية التي تأتي ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.

قالت إلي فانفليت، القنصل الفخري لفانواتو في هولندا، وأحد أعضاء المبادرة، خلال الحدث: “إن عواقب تغير المناخ لها آثار كبيرة على التمتع الكامل بحقوق الإنسان للأجيال الحالية والمقبلة، بما في ذلك الأجيال التي لم تولد بعد”.

وأضاف فانفليت أن المبادرة قد تقدمت بشكل كبير منذ عام 2019، بفضل عمل لجنة الخبراء الداعمة للمبادرة وتضم نخبة من المحامين الدوليين، الذين طرحوا على المحكمة، في يونيو الماضي، تعريفًا قانونيًا مقترحًا للجريمة، والذي ينص على أن: “الأفعال غير القانونية أو الوحشية المرتكبة ضد البيئة، مع العلم بوجود احتمال كبير لتسببها في ضرر جسيم وواسع النطاق أو طويل الأمد”.

لكن تواجه اللجنة أزمة قانونية بشأن النص المقترح الذي من شأنه أن يجرم الإضرار بالبيئة كهدف في حد ذاته، وذلك لأنه يتعارض مع البنود التاريخية المعنية بحماية البشر في القانون الجنائي الدولي.

قال فيليب ساندز، أحد الرؤساء المشاركين في لجنة الصياغة، “هناك فجوة كبيرة جدًا في القانون الجنائي الدولي”.
ويضيف: “الجرائم الدولية الأربع، كلها ركزت على رفاهية الإنسان لأسباب وجيهة، ولكن هناك فجوة كبيرة لم يلتفت لها أحد، وهي رفاهية البيئة التي يعيش فيها هذا الإنسان”.

وقال تويلوما نيروني سليد، القاضي السابق في المحكمة الجنائية الدولية وعضو لجنة الصياغة المشاركة في الحملة، إن “لحظة تاريخية” قد حانت لمواجهة الإبادة البيئية.

وأضاف: “الأدلة العلمية والتقييمات الموثوقة متوفرة بكثرة، وهي موجودة منذ فترة طويلة وتحتاج إلى استجابات عالمية جادة”.

واستطرد قائلًا: “بالنسبة للبلدان الصغيرة والضعيفة، ليس لديهم خيارات لمواجهة هذه الجرائم التي تؤثر عليهم، لذا فإن القواعد وسيادة القانون الذي يقوم عليهما النظام العالمي عليهما توفير الحماية الأكثر فعالية لهذه الدول”.

يرى أصحاب الحملة أن القانون الجنائي الدولي لا بد أن يكون أداة، إلى جانب العمليات السياسية مثل مفاوضات المناخ العالمية، لمحاربة الضرر البيئي الواسع الانتشار.

على وجه الخصوص، يقول أصحاب الحملة إن جعل الإبادة البيئية جريمة من شأنه أن يغير حسابات الشركات متعددة الجنسيات قبل أن تتخذ قرارات بشأن المشاريع الضارة بالبيئة.

 

اقرأ أيضًا.. الاستخبارات الأمريكية: خطر تغير المناخ يهدد 11 دولة بالانهيار “بينهم بلد عربي”

 

صعوبات تجريم الإبادة البيئية

الطريق نحو تعديل نظام روما الأساسي لإضافة جريمة جديدة إلى اختصاصات المحكمة الجنائية الدولية، هو عملية معقدة ومتعددة الخطوات، ولها شروط ومراحل، أولها أن يقدم بلد عضو واحد على الأقل تعريفًا قانونيًا مقترحًا إلى الأمين العام للأمم المتحدة، قبل ثلاثة أشهر على الأقل من اجتماع جمعية الدول الأطراف.

ومن المستبعد أن يتخذ إجراء رسمي في هذا الشأن خلال اجتماع هذا العام، حيث أن اللجنة التي تصيغ نص التعديل المقترح على نظام روما ليشمل الإبادة البيئية، لم تقدم النص رسميًا قبل ثلاثة أشهر وفق الشروط المذكورة، لذا في حال تقدمت أي دولة من الدول الأعضاء بالتعريف الجديد خلال الاجتماع السنوي الذي يعقد الآن، فلن يبت فيه في خلال قبل فترة قد تطول.

قد تستغرق العملية سنوات، كما حدث من قبل عند إضافة جريمة العدوان غير المشروع، ويتوقف ذلك على إتمام الخطوات المنصوص عليها قانونًا، وهو أمر يخضع لدرجة الإرادة السياسية بين الدول.

وفي حال تقدمت دولة أو مجموعة من الدول بعملية التعديل رسميًا خلال اجتماع هذا العام، فإن الخطوة التالية تتطلب تصويت غالبية الدول الأعضاء لصالح المضي في النقاش حول هذه القضية، وإذا حدث هذا، فمن المفترض أن يبدأ بعدها النقاش الرسمي وغير الرسمي بين البلدان لفترة من الوقت حول كيفية تعريف الجريمة.

وفي النهاية، يجب أن يصوت ما لا يقل عن ثلثي الدول الأعضاء، أي ما يقرب من 82 دولة، لصالح تعريف متفق عليه لـ تجريم الإبادة البيئية، وبمجرد التصديق على التصويت يصبح واجب النفاذ في كل الدول الموقعة بعد عام.

ويشير عدد من المحامين والمراقبين المؤيدين للتعديل إلى أن بدء عملية التعديل سيتطلب درجة من الزخم وائتلافًا من الدول الداعمة.

وقالت جوجو ميتا، المؤسس المشارك لمؤسسة Stop Ecocide ومديرة حملة “أوقفوا الإبادة البيئية Stop Ecocide Foundation” التي تتبعها لجنة الصياغة المتخصصة، إن عملية حشد الدعم لإضافة جريمة الإبادة البيئية لنظام روما تتحرك بشكل أسرع مما كانت تأمل.

وأضافت: “لقد تأخرنا كتيرًا، وعلينا أن نصل لذلك في أسرع وقت”.

على الجانب الأخر، يعارض بعض الخبراء تحركات المؤسسات البيئية لـ تجريم الإبادة البيئية وإضافة الجريمة لنظام روما، ويرون أن اللجوء للمحكمة الجنائية الدولية ليس حلاً مناسبًا لإنقاذ البيئة. لأنه يقتصر فقط على مقاضاة الأفراد، وبالتالي لا يمكن بموجبه مقاضاة الشركات، وفي حالة ما تم إلقاء القبض على رئيس تنفيذي لشركة ما فهذا لا يعني إنهاء العمل التجاري نفسه، ما يعني أن الأهم والأولى هو تغيير نموذج رأسمالية الشركات.

جدير بالذكر، أن استُخدم مصطلح “الإبادة البيئة” Ecocide لأول مرة منذ حوالي خمسين عامًا تقريبًا، وذلك خلال الكلمة التي ألقاها عالم الأحياء الأمريكي “آرثر جالستون” في مؤتمر “الحرب والمسئولية الوطنية”، الذي عُقد بواشنطن العاصمة عام 1970؛ حين أشار إلى الضرر الواسع النطاق الذي نجم عن استخدام الولايات المتحدة لمبيد الأعشاب السام “العامل البرتقالي” في حرب فيتنام، مؤكدًا على حتمية إبرام اتفاقية دولية لحظر الإبادة البيئية.

ووفق ما ذكره ممدوح مبروك الباحث السياسي المصري، طرحت فكرة جعل الإبادة البيئة Ecocide جريمة دولية لأول مرة خلال الكلمة التي ألقاها رئيس الوزراء السويدي الأسبق “أولوف بالم” في مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة الذي عُقد في “ستوكهولم” عام 1972، وحَذَّر فيها من أن “التقدم الصناعي السريع يمكن أن يستنفذ الموارد الطبيعية بمستويات غير مستدامة”.

وفي عام 1973 قدم “ريتشارد فولك”؛ أستاذ القانون الدولي بجامعة برينستون الأمريكية أول تحليل قانوني لحظر الإبادة البيئية، أشار فيه إلى أن “الإنسان تسبب بوعي ودون وعي في إلحاق ضرر لا يمكن إصلاحه بالبيئة في أوقات الحرب والسلام”.

أُعيد طرح مفهوم تجريم الإبادة البيئية أثناء تأسيس المحكمة الجنائية الدولية عام 1998، إلا أنه لم يؤخذ في الاعتبار وقتها. وخلال العشر سنوات الماضية، قادت المحامية الأسكتلندية “بولي هيجينز” حملة من أجل الاعتراف بها كجريمة دولية إلى أن توفيت في العام 2019، واستكملت مؤسسة Stop Ecocide المسيرة.

تابعنا على نبض

قد يعجبك ايضا
اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.