بث تجريبي
منصة رقمية متخصصة بقضايا التغير المناخي في مصر والشرق الأوسط

حفاة على جبل الذهب.. العالم السري للتنقيب في جبال البحر الأحمر “تحقيق”

شباب انتحاري يقبل على الموت ليصنع الحياة، سقطوا من ذاكرة الوطن بلا تعليم حقيقي، بلا عمل، أصابهم  العنس ووقر في قلوبهم اليأس.

لايبالون بحر جهنم في الصيف – تقترب درجة الحرارة من ال50 درجة- ولا ببرد القطب الشمالي في الشتاء- السالب هو المسيطر- احلامهم بسيطة لايبالون بقضاء حاجتهم في العراء، في سبيل قضاء حاجتهم من الذهب الذي يحلمون بأن ينقلهم من الحمام البلدي إلى الافرنجي المعلق. حياة كاملة فوق سطح الجبل لكنها ليست بحياة.

رحلة الصعود إلى الجبل محفوفة بالمخاطر. الشرطة من ورائك، والصحراء الممتلئة بجثث من ضلوا الطريق أو عاندتهم الظروف من أمامك.

وصولك لجبال الذهب يكلفك مواجهة الموت إما على يد أبناء قبائل العبابدة – سكان الجبل- عقابًا على انتهاكك لحرماتهم، وإما بثعبان يلدغك بعد أن شاركته مضجعه في حضن الجبل، أو ربما بصخرة تنهار فوق رأسك إثر الحفر المتواصل.

ملك الموت يحيط بجبال البحر الأحمر من كل جانب.. لكن الذهب يعني الحياة ! 

الطريق من قرية العدوة -التابعة لمحافظة أسوان- صوب “بيزح”-أحد جبال البحر الأحمر المليئة بالذهب- لم يكن يسيرًا.

في جنح الظلام تحركنا في سيارة نصف نقل “قطمة”، بعد أن تم إبلاغ المنقبين بوجود دورية  في نهار ذات اليوم عبر موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك.

القطمة عبارة عن نصفي سيارة مستعملة  ترد إلى مصر عبر ميناء بورسعيد  كقطع غيار، ثم يتم تجميعها في ورش اللحام، لتصبح سيارة نصف نقل  بدون أرقام ، حيث ترفض مصر ترخيصها، بينما يتم ترخيصها في السودان رسميًا، وهو مايدعو عدد من المنقبين إلى بيعها إلى السودانيين عبر الحدود بضعف الثمن.

يقول أبوالحسن مالك أحد السيارات القطمة : “العربيات دي  كان ثمنها 15 ألف جنيه، وارتفعت أسعارها مع التعويم إلى 40:30 ألف جنيه” ثم يستطرد : “القطمة لو اترخصت الدولة هتستفيد، وفي نفس الوقت يخصصوا الرخصة للعمل في التنقيب عن الدهب، السودان بتعمل كده، لأن وجودها بالشكل ده بدون ترخيص  ممكن يعرض الدولة لخطر، انها تستخدم في عمليات إرهابية أو غيره”

طريق من الأسفلت غير ممهد ملئ بالحفر، ساعة ونصف  قطعنا فيها 140 كيلو، مررنا على اثنان من الأكمنة الشرطية – وادي عبادي و70 – بأمان بعد أن حصل العسكري من المنقبين على عشرة جنيهات في كل مرة !

نصف ساعة إضافية كانت هي الأصعب في عمر الرحلة بين مدقات الجبال بعد أن تركنا الاسفلت، حيث الظلام والسكون المخيف سيدا الموقف. 

السائق كان محترفًا يعرف طريقه برغم كل شيء مستعينًا بذاكرته، وبعض الأحجار، والجراكن، وعلب كانز -المياه الغازية- التي تم وضعها من قبلهم على جانبي الطريق .

عندما وصلنا إلى الموقع -حسبما يطلق عليه المنقبين- وجدنا 7 أشخاص -بينهم سودانيين- موجودين في هذا المكان منذ أكثر من أسبوعين مستمرين في التنقيب عن الذهب. 

خيام بسيطة مصنوعة من قماش ردئ، مستندة على مواسير قديمة، حصير فرش بداخلها للنوم عليه، تضم موقد وأنبوبة بوتجاز لطهي الأطعمة وشرب الشاي الذي يعينهم على مواصلة العمل، وجراكن مياه للشرب.

علاء أحد الشركاء في الموقع قال: أنه يأتي بالزاد إلى رجاله القابعين في الجبل كل أسبوع أو أسبوعين، وفقًا لاحتياجاتهم من المأكل والمشرب مصطحبًا اثنان من العمال ليستبدلهما بعاملين يعودا معه للراحة، بالإضافة إلى  سيارات لنقل أطنان الحجارة التي تم تكسيرها من الجبل إلى الكسارات تمهيدًا للبحث عن الذهب فيها.

تتوزع المهام بين فريق العمل كل يعرف واجبه جيدًا الجميع يعمل بصبر وحماس شديدين>

أحد السودانيين يدخل المغارة واضعًا كشافًا مربوطًا حول رأسه-كمهندس استشاري-  يفحص عروق الجبال بعين الخبير بحثًاعن ذرات الذهب، وآخر مصري يكسر حجرًا صغيرًا من قطعة جبل قال السوداني أنها ربما تحوي ذهبًا، ثم يتولى اختبار الحجر-ششني- بطحنه في هون من الحديد حتى يصبح “كالبودرة”،  يضعها في طبق به ماء، ثم يبدأ في تصفيته في طبق آخر، ويراقب ظهور ما يشبه الدبابيس في الماء المعكر بالتراب ليتأكد من وجود ذهب من عدمه. 

لتبدأ مهمة السوداني الآخر، والمصريين معه بالتبادل في حفر عرق الجبل بمهارة شديدة من فوقه ومن تحته، ليأخذ الصخر الواقع في المنتصف والذي يحمل ذرات الذهب، بينما يتولى الآخرون مهمة المساعد في تنظيف المكان أولًا بأول من الأحجار المتراكمة 

محمد الممسك بهلتي –جهاز صغير للحفر في الصخور- قال لي :

نعمل لأكثر من 16 ساعة في اليوم، ويتنوع طعامنا ما بين العدس والفول والجبن والبطاطس، من وقت لآخر نكافئ أنفسنا “بخضار قرديحي”!.

ثم استطرد: مهمتي هي استخراج شريحة من الصخور التي اثبت –الششني- ان بها ذهب، وهذا الهلتي أنا شريك به في الموقع، قمت بشرائه ب3 الآلاف جنيه بالإضافة إلى مولد الكهرباء الخاص به ب4 الآلاف جنيه، في كل أسبوع أتكلف 120 جنيه قيمة تغيير “بنطة ” -المسمار الملحق بالهلتي والمسئول عن الحفر في الصخور- بينما قال عبدالعزيز-أحد العاملين في الموقع-  أنه في بعض الأحيان يستخدم اسلوب التفجير لتكسير صخور الجبال، والدخول قليلًا إلى العمق. 

حيث يتم استخدام طريقة تعلمها هو من الانترنت عن طريق عمل فتحة صغيرة بواسطة “الكومبريسر” – منفاخ الهواء الكهربائي-  يتم وضع داخلها بوردة وفتيل واستخدامهم في التفجير.

  • حاليًا تم استبدال البودر بعجينة تباع عبر الانترنت الكيلو ب50 جنيها – 

ينفذ عبدالعزيز تفجيرًا بسيطًا لا يتعدى مداه 30 مترًا، وهي مسافة الأمان عن مكان التفجير، مشيرًا إلى أن ال3 تفجيرات ينتجون طن ونصف من حجارة الجبل.  

و يضيف قائلًا : إذا وجدنا أن المنطقة الجبلية التي ننقب فيها غزيرة الذهب نؤجر حفارًا بخمسون ألف جنيه في الشهر، ونستخدمه في عمليات التنقيب.

السوداني الخبير تحدث لنا معرفًا نفسه : إسمي حافظ  من منطقة بربر التابعة لولاية نهر النيل بالسودان، قدمت منذ أربعة أشهر إلى مصر بفيزا سياحة 6 أشهر عبر الشلاتين، حيث مكثت هناك عدة أيام في ضيافة عمي الذي يحظى بالجنسية المصرية إلى جانب السودانية مثله مثل كثير من أبناء الشلاتين. 

قدمت بعدها إلى الجبل هنا بعد أن عرفني أحد السودانيين الموجودين في مصر على عبدالرحيم أحد منقبي الذهب المصريين .

قاطعته لكن السودان تشتهر بذهب الجبال، والتنقيب فيها شرعي وتدعمه الدولة، لماذا تخاطر بنفسك للتنقيب في مصر؟!

قال لي مبتسمًا: “الرزق اللي على السطح في السودان-يقصد الذهب- اتشال، ومش باقي غير اللي في عمق الجبال، وده يحتاج امكانيات بعكسكم هنا في مصر لسه الذهب على السطح، أنا أنفع المصريين بخبرتي وأستنفع” 

مشيرًا إلى أنه لديه خبرة سابقة في استخدام جهاز التنقيب عن المعادن، ويستخدمه في حال وفره له المنقب المصري. 

  • يبلغ سعر جهاز التنقيب الكبير  25 ألف جنيه والصغير 9 الآلاف جنيه وانخفضت اسعاره حاليا بسبب قلة الطلب عليه –

موضحًا أن هذا الجهاز يصدر صوتًا عند اقترابه لأي معدن حتى القصدير، ولذلك لابد من الحفر في المكان الذي كشفه، وتتبعه حتى الوصول إلى المعدن الذي ليس من الضروري أن يكون ذهبًا، لافتًا النظر إلى عثوره اثناء التنقيب على كميات صغيرة من الياقوت الا أنه لم يهتم بها.

 حافظ استطرد قائلًا: “أنا أكبر اخوتي ، أحمل مؤهل عالي خريج كلية نظم معلومات، ولا أجد عملًا أصرف به على اسرتي لأني ليس لدي واسطة في السودان، لذلك اتجهت للتنقيب عن الذهب، خاصة وأن المقابل المادي عندكم أفضل، والناس معاملتهم محترمة”.

واستكمل: “برجع لأهلي باللي حوشته كل 6 شهور، وعارف أنه ممكن يتقبض عليا واتسجن، بس مش خايف لأني ماعنديش بديل، أنا مش عارف ليه الحكومة المصرية عاوزة تمشينا برغم اننا بنفيد البلد والاقتصاد المصري بخبرتنا وبناخد مقابل تعبنا”.

  • رصدنا ارتفاع اسعار ايجار العقارات في قرية العدوة، وفي مدينة إدفو بسبب كثرة الطلب عليها من قبل السودانيين، 

وصل ايجار الشقة الغرفتين وصالة إلى 1000:800 جنيه،  غالبًا مايعيش فيها عدد من السودانيين بلا امكانيات  دون أسرة أو مراوح أو ثلاجة فيما يعيش البعض منهم في موقع العمل أو في منزل صاحب العمل. 

السوداني حافظ أكد لنا أنه قرر أن يقنن وضعه بعد انتهاء تأشيرته السياحية ، بأن يتحول لمواطن مصري، ويستخرج بطاقة الرقم القومي المصرية، وأخبرنا أن عمه –المصري السوداني – في الشلاتين سيعاونه في تحقيق ذلك. 

يقول حافظ: “هحاول  ولو ماحصلش برضه هكمل شغل في مصر مهما كانت النتايج “! 

كاشفًا النقاب عن تهريب السودانين إلى مصر عبر الجبل من منطقة العقبة للعمل في التنقيب عن الذهب.

عدنا من حيث أتينا محملين بأطنان  من الحجارة حصيلة  عمل أسابيع في الموقع بصحبة اثنان من العاملين استبدلا للراحة .

كانت وجهتنا صوب الكسارات حيث يتم التحقق من وجود ذهب واستخراجه .

العدوة – بكسر العين- قرية تابعة لمدينة إدفو ومحافظة أسوان، يتخطى عدد سكانها 10 الالاف نسمة، تحول كثير منهم للعمل  في التنقيب عن الذهب بعد أن هجروا ألفلاحة ورعاية الماشية -عملهم الرئيسي- الذي بات لايسمن ولا يغني من جوع، خاصة في ظل الزيادة السكانية بالمقارنة مع الأراضي المحدودة وغلاء الاسعار الذي طال السماد وكل مدخلات الزراعة كما طال كل شيء.

مداخل قرية العدوة الاثنين –الكمب وأم سلمة- تفوح منهما رائحة الذهب>

23 موقع لاستخراج الذهب رصدناها في محيط قرية العدوة من ناحية واحدة فقط -الكمب- يفصل بين كل منها أقل من 200 متر! ، ومحال صغيرة لشراء الذهب وضعت لافتات واضحة تملأ الطريق.

في وادي الرديسية يمارسون عملهم في استخراج الذهب أمام الجميع،  فهم مقتنعون بأنهم لا يخالفون القانون، وأنهم يسعون وراء أرزاقهم ولقمة العيش، بعد أن فشلت الأنظمة والحكومات المتعاقبة على مصر في توفيرها لهم.

المواقع الخاصة باستخراج الذهب تكاد تكون طبق الأصل من بعضها البعض مع اختلاف عدد المعدات والآلات المستخدمة، تقوم على أرض زراعية مستأجرة يقام عليها المشروع، ويبني عليها 3 مباني بسيطة مصنوعة من الطوب المنياوي الأبيض، إحداها غرفة بمروحة سقف بدون أسرة إلا من بعض الحصير الذي وضع على الأرض لجلوس العمال وأصحاب المشروع للراحة أو المبيت، والأخرى تستخدم كمطبخ بلا امكانيات إلا من موقد صغير، والثالثة تستخدم كحمام بلدي لقضاء الحاجة.

يضم الموقع آلة يطلق عليها الحجامة، وظيفتها تكسير الأحجار الكبيرة إلى أحجار صغيرة – سعر تكسير طن الاحجار للمنقبين 600 جنيه-، وميزان ديجتال يبلغ ثمنه 1500 جنيه مخصص لوزن الأحجار.

الآلات دائرية الشكل، كل منها بها حجران عموديان من الحديد يصل وزن الواحد منهم الى طن، كل منهما يدور حول الأخر داخل طبق حديدى كبير بواسطة موتور قوي، وضعت جنبَا إلى جنب. عرفها دليلنا بأنها تسمي الكسارات، ويعهد إليها بالمرحلة الثانية من استخراج الذهب من الأحجار إن وجد، حيث توضع الأحجار وتملئ الآلات بالماء مخلوطًا بالزئبق ومقداره كيلو :2 كيلو لكل طن، حيث تبلغ حمولة كل كسارة طن فقط. 

يعمل الزئبق على جذب ذرات الذهب وتجميعها من الأحجار التي تحولت إلى تراب بفعل الطحن.   

يستغرق عمل الكسارة الواحدة 12 ساعة، لذا فهي تستوعب طنان في اليوم، طن لكل 12 ساعة .

أحد أصحاب الموقع قال لنا: أنه يحصل من منقبي الذهب على 1200 جنيه لطحن طن الأحجار بالإضافة إلى ثمن الزئبق المقدر 2000:2500 جنيه  للكيلو – حسب جودته- سواء وجد الذهب أم لم يوجد. 

المرحلة الثالثة من عملية استخراج الذهب تكون التنسيم، وتتم بتصريف المياه المحملة بالتراب المطحون الغير محتوي على الذهب في مواسير صرف أعدت خصيصًا لذلك بكل موقع، ليتبقى الذهب المختلط بالزئبق.

 يوضع في قطعة قماش  ويتم عصره حتى يتم تصفيته . 

التراب المتبقي من عمليات استخراج الذهب بعد عملية التنسيم، ويطلق عليه “الكارتة” يتم تجميعه ويباع الطن منه ب400 جنيه 

حيث يتم إضافة مادة “السينانيد” المعروفة بقدرتها العالية على عزل الفلزات مثل الذهب والفضة من خاماتها المطحونة، وهو ما يؤدي إلى استخراج بواقي الذهب الذي لم ينجح الزئبق في استخراجه من هذا التراب. 

حيث يتم جلبه من المعامل الكيميائية، ويضعه العمال في بعض مناطق العدوة وفي محافظة الشرقية أيضًا – دون أي خبرة أو عوامل أمان وسلامة- 

السينانيد مادة خطرة تدخل في صناعة الأسلحة الكيميائية ويستخدمها الجواسيس في حالة القبض عليهم لأنها سريعة ألفتك، حيث تؤدي كمية لا تتجاوز 0.2 من الجرام إلى الموت خلال ثوانٍ قليلة، بعد شلل كامل لكل أجهزة التنفس، بسبب نقص الأكسدة التي تصيب الخلايا-

المرحلة الرابعة تبدأ بحرق قطعة الذهب بهدف تنقيتها من الزئبق الملتصق بها، وهي مرحلة تتم دون اجراءات أمان صحي للعامل الغير مدرب، الا من كمامة يضعها بعضهم، لعلمهم بأن الزئبق ينتج غازًا سامًا عند تعرضه للحرارة.

المرحلة الخامسة والأخيرة تكون في المسبك –يقدر عدد المسابك في نطاق قرى مدينة إدفو بأكثر من 30 مسبكًا- تنتشر بعضها في مناطق وادي عبادي والشرش والعدوة.

كثير منهم تابع لصائغي وتجار الذهب ، ويكون المسبك البدائي عبارة عن مكان بسيط يحتوي على “لمبة لحام” التي تستخدم في لحام المعادن، يتم بواسطتها صهر قطعة الذهب، للقضاء على ماتبقى من زئبق بها، وهو مايقل معها ثلث وزن القطعة الذهبية التي يشتريها المسبك نفسه –الجرام يساوي مايقارب 650 جنيها- ، ويتولى نقلها بعد تجميعها إلى القاهرة لبيعها .

– أخبرنا الدليل أن البعض يهرب الذهب إلى السودان لبيعه هناك نظرا لارتفاع قيمته عن مصر.

لفت نظرنا في طريقنا لموقع استخراج الذهب التابع للمنقب الذي اصطحبنا في رحلته  إلى الجبل أحد المواقع الذي وضع عليه العلم السعودي بجوار العلم المصري.

طلبنا من السائق التوقف وتوجهنا صوب الموقع لاستطلاع الامر 

في البداية رفض أصحاب الموقع التحدث بعصبية، خاصة بعد علمهم بصفتنا الصحفية، لكنهم تراجعوا  بعدما أدركوا أن مهمتنا البحث عن الحقيقة فقط، وبعدما تعهدنا لهم بعدم نشر اسمائهم .

قال لنا  “إبراهيم” –اسم مستعار-  : إنه حاصل على مؤهل متوسط – دبلوم صنايع- ، وأنه متزوج ولديه خمسة أبناء بينهن 3 بنات، ثم أتبع : “مصدر رزقي الوحيد هو استخراج الذهب بعدما وضعت “تحويشة عمري” من العمل 20 عامًا بالكويت في إدارة المزارع، بمشاركة إبن عمي الذي يعمل بالسعودية، وكفيله السعودي الذي جاء في زيارة إلى العدوة وأصر على مشاركتنا!

يستطرد إبراهيم:  هذا المشروع تكلفته تخطت المليون جنيه، ويعمل به 8 عمال، 6 منهم يحصلون على راتب 3 الآلاف جنيه تزداد مع زيادة نسبة العمل، يقسمون العمل على فترتين كل 3 عمال لفترة، بالإضافة إلى عامل التقطيع الذي يتقاضى أربعة الاف جنيه، وعامل صيانة الآلات  ويحصل على ألفي جنيه، ليصبح الاجمالي 24 ألف جنيه أجور شهرية، بالإضافة إلى مصاريف نثرية تقدر ب12ألف ونص إيجار شهري  لمولد الكهرباء، و5500 جنيه اسبوعيا تكلفة الجاز الذي يعمل به المولد، حيث يستهلك برميل جاز مشيرًا بيده إلى مولد للكهرباء أصابه العطل قبل عيد الاضحى الماضي ، ووضع في  جانب الموقع بعد تلفه قيمته 10 الآلاف جنيه 

مشيرًا إلى أن العاملين معه بعضهم من حاملي المؤهلات العليا، كان آخرهم شاب يدعي علي يتيم الأب من خريجي كلية التربية توفى مؤخرًا بسبب سقوط جزء من صخرة جبلية عليه أثناء التنقيب،  بعدما أقنعه اصدقائه بترك العمل في الكسارة، والذهاب للجبل للتنقيب ليلقى حتفه بصحبة أصدقائه الخمسة.

أبو مصطفى شريك في أحد مواقع استخراج الذهب اصطحبنا في جولة داخل موقعه في منطقة “النزل” التابعة لمدينة إدفو. 

لاحظنا أنه داخل زراعات القصب بعكس المواقع الأخرى-، وكشف لنا تفاصيل العمل حيث قال: أنا شريك في هذا المشروع مع 5 أشخاص، يتكون الموقع من 3 كسارات صينية الصنع، تبلغ قدرة الواحدة منها 5 حصان، ويبلغ ثمنها 170 ألف جنيه، فيما تزن حوالي 7 طن، قمت بشرائها من مدينة إدفو عبر وسيط جلبها لي من القاهرة، تأتي هذه الكسارات مفككة ويتم تركيبها، ولحامها في الموقع. 

أما مباني الموقع فتكلفت 200 ألف جنيه فيما تكلفت تجهيزات الكهرباء 25 ألف جنيه، بالإضافة إلى إيجار الأرض الذي يبلغ 18 ألف جنيه في العام، وفاتورة الكهرباء التي تبلغ 7500 ألف جنيه في الشهر بنظام الممارسة !

وأضاف لدينا عمالة من السودانيين تعمل في جبل عطا الله الذي يسيطر عليه أحد البلطجية المشهورين ويدعى حماد، ويحصل على اتاوة 200 جنيه من كل سيارة .

أبو  مصطفى قال انه يفضل العمالة السودانية لأنها لا تتكلف كثيرًا،  ويعملون بقوة لشهور طويلة دون كلل او ملل، وهم أكثر انتاجا من المصريين، لافتا النظر إلى ان السودانيين لو رحلوا ستتأثر أعمال التنقيب بشدة ليس لكفاءتهم فحسب، ولكن لقدرتهم على التكيف مع حياة الجبال .

يحصل السودانيون في حالة استخراج الذهب على الثلث، بينما يحصل أبو مصطفى وشركائه  على الثلثين مقابل تحمل نفقات مأكلهم ومشربهم ونقل الأحجار.

لاحظنا وجود عامل واحد فقط بالموقع فقال لنا: أن العمل قليل هذه الأيام، ولذا يخفض عدد العمالة إلى اثنان يعملان على ورديتان بمرتب ثابت 3 الآلاف جنيه، تزيد في حال ورود أحجار من الجبل لطحنها، ويصل اجر العامل في اليوم 200 جنيه – مايعادل 6 الآلاف جنيه في الشهر-  في أيام الذروة.

علاء أحد المنقبين القدامى حكى لنا عن قصته مع الذهب وكيف نقله إلى رغد العيشقبل أن يعود به إلى الفقر مجددًا:” قال أنه رزق في عام 2012 من التنقيب عن الذهب برزق وفير حول حياته تمامًا، حتى أنه ذات مرة حصل في 4 أيام فقط من التنقيب على كيلو من الذهب، الا ان التضييق على الصعود للجبل والتنقيب فيه اصابه بخسائر كبيرة عادت به حيث كان.

يقول علاء : “جبال الذهب متنوعة العيارات، أفضل جبل ينتج ذهبًا من العيار الثقيل هو السكري، وهو ما يدفع البعض ومنهم أنا للعمل فيه برغم بعض المناوشات مع عمال الشركة التي تعمل به، أيضًا هناك جبل “الدغابج”  وهو من الجبال التي يصل فيها عيار الذهب إلى 24 وربما أكثر –يطلق عليه البندقي999- ، ثم جبل عتوت ومعظمه من الذهب عيار21 “.

جبال البرامية وأم سمرة هما الأضعف عيارًا بين جبال البحر الأحمر ، تنتج البرامية عيارًا أقل من 14، فيما تنتج أم سمرة الذهب الأبيض،  وبرغم ذلك ينقب البعض في تلك الجبال، ليوفروا فقط مصاريف العمالة.

ويستطرد  “في السابق كنا نبيع الذهب الذي نستخرجه إلى الصاغة دون معرفة عياره، حيث كان يخضع الأمر للتفاوض حول مبلغ مادي ضعيف بالمقارنة بعيار الذهب، لكن الشباب الآن بات أكثر وعيًا ويبيع الذهب وفقًا لعياره”.  

علاء الحاصل على دبلوم تجاري  لديه 4 شركاء من بينهم أخيه الحاصل على بكالوريوس تجارة، شرح لنا قواعد توزيع الربح على الشركاء قائلًا:  

المهام تتوزع علينا، أحد الشركاء يقوم بشراء أو ايجار الحفار، والآخر يقوم بشراء  جهاز الكشف عن المعادن، والثالث يتولى الصرف على وقود الحفار بمعدل برميل جاز كل يومين بتكلفة 950 جنيه للبرميل ، بالإضافة إلى العمالة الذين يبلغ عددهم 13 عاملًا مقيمين بالجبل.

يتم توزيع الربح بين صاحب الحفار والمسئول عن الوقود ويحصلون على نصف الربح، وبين صاحب جهاز الكشف عن المعادن والعمالة ال13 الذين يحصلون على النصف الآخر مع خصم مصاريف الطعام والشراب، وإن لم يوجد ربح لا يحصلون الا على طعامهم وشرابهم.

أضاف علاء أن موقعه الحالي ينتج أطنانًا تنقلها السيارات مرة في الاسبوع، ويشير إلى أن هناك بئر في جبل البرامية عمقه 70 مترًا كانوا يعملون فيه يحتوي على سلم طويل بعمق البئر، يعود تاريخه إلى الاحتلال الانجليزي يستخدمه العمال في النزول لهذا العمق للتنقيب عن الذهب .

عبدالله 28 عاما دبلوم صنايع قسم تبريد وتكييف ترك منزله بحثًا عن نقطة ضوء في جبال الذهب تعيد حياته التي سلبها الفقر في قريته، بعدما ضافت به وبأقرانه من الشباب!

غضب والده عليه الا أن أهل الخير نجحوا في إقرار صلح يسمح الوالد بمقتضاه لعبدالله بمواصلة التنقيب عن حلمه “الزواج” بين صخور البحر الاحمر يقول عبدالله: “لم اتعلم شيئًا في المدرسة، ووالدي كان يخاف علي، يريدني بجواره أرعى الماشية، وجدت نفسي أقترب من الثلاثين عامًا، ولم أوفر جنيهًا واحدًا يعينني على الزواج. 

قررت بالاشتراك مع ستة من زملائي أن نبدأ في رحلة البحث عن الرزق والتنقيب عن الذهب. 

نحن السبعة نعمل لصالح أنفسنا، ويقسم المكسب علينا -إن وجد- بعد خصم المصاريف التي تشمل700 جنيه إيجار السيارة شاملة البنزين، و500 جنيه مواد غذائية، ومياه نصطحبها معنا، بالإضافة إلى مصاريف إيجار  “الهلتي”، ومولد الكهرباء، ومصاريف استخراج  الذهب في الكسارة .

يستكمل عبدالله قائلًا : “في البداية واجهنا مخاطر عديدة أهمها مطاردة أبناء قبائل العبابدة لنا، واطلاق النيران علينا باعتبارنا أغراب نعبث بارضهم، ما أدى لمقتل بعض الشباب من القرية، إلا أن الوضع تغير قليلًا بعدما تحاورنا معهم، وأبلغناهم بأننا لن نترك الجبل، وأنهم لايملكونه، فهو ملك للجميع، واتفقنا معهم على العمل  بعيدًا عن المناطق التي يسكنون فيها مع نسائهم، حتى لا ننتهك حرماتهم، وهو ماساهم في تخفيف النزاعات بيننا وبينهم.

“أكثر مرة استخرجنا فيها ذهبًا كانت 10 جرامات يقولها عبدالله ثم يستطرد لكننا كثيرًا ما رجعنا دون أن نجد ذهبًا!

أذكر أنه في ذات مرة قمنا بنقل 7 أطنان من الحجارة من الجبل إلى الكسارات، وبعدما مرت بمراحل استخراج الذهب اكتشفنا أنها لا تحوي ذهبًا، يومها أصبحنا مديونين بمبلغ15 ألف جنيه قيمة تكاليف استخراج وتكسير ونقل ال7 طن، الا أننا عوضنا الخسائر جميعها في النقلة التالية. 

  • بعض أبناء القرية أمسك عن التنقيب بعدما ضاعت امواله هدرا-.

“أرجو لو مقبوض عليهم يتم الافراج عنهم، دول مش قطاع طرق ده راجل راح يشتغل مش كده ولا ايه، احنا نفرج عنهم ونخلي بالنا منهم ونديهم كمان لغاية ما نشوف حل”

-الرئيس السيسي في 7 يونيو2017 موجهًا حديثه لمحافظ البحر الاحمر في مؤتمر ازالة التعديات على أراضي الدولة-

“فرحنا وقولنا أخيرا في رئيس فهمنا وهينصفنا، لكن الفرحة ماكملتش سابونا يومين، ورجعنا مطاردين”

 يقولها عبدالرحمن  بأسى ثم يستطرد: “مستشار رئيس الجمهورية ابراهيم محلب، واللواء أحمد جمال الدين وزير الداخلية الأسبق جولنا هنا، وبلغناهم استعدادنا للتعاون مع الدولة، واننا ندي الدولة حقها كاملًا سواء من الذهب المستخرج، أو الضرائب او الكهرباء، والتزمنا بكلامهم بعدم التنقيب في المناطق اللي قالوا عليها”.

قبل ان يلتقط طرف الحديث شاذلي  قائلًا : “لما الدهب بيقف كل حاجة بتقف. قبل مانعرف السكة دي كانت السرقة و بيع المخدرات والبرشام منتشرين جدًا، بعد ظهور الدهب السرقة تقريبًا مابقتش موجودة،  تجار المخدرات تابوا وكمان بقوا يعملوا أعمال خيرية، شاركوا في بناء جامع وغسلوا كلى لناس كتير عندنا في القرية”. 

ثم استكمل : “حاولنا أنا و3 من شركائي نأسس شركة مساهمة علشان نقنن وضعنا، لكن دايمًا بنلاقي الدولة قافلة الباب، ومخلية الترخيص بس لشركة واحدة هي الشلاتين. 

احنا بنفيد اقتصاد البلد، كل حاجة بتنتعش بسببنا، الأكل والشرب والبنزين والمهن، حتى الزكاة بنطلعها، بنجمع فلوس، ونشتري هيلتي أو مولد كهربائئ  للأسر اللي ماعندهاش عائل، وبنأجره احنا منها وبتبقى شريكة معانا في الدهب، وبكده يبقى وفرنالهم مصدر دخل يصرفوا على عيالهم الأيتام

مختتمًا حديثه  قائلًا: احنا راضيين بأي حل تشوفه الدولة علشان تآخد حقها، بس مانتعاملش كمجرمين لان ده صعب علينا جدًا .

 

تابعنا على نبض

قد يعجبك ايضا

اترك رد