بث تجريبي
منصة رقمية متخصصة بقضايا التغير المناخي في مصر والشرق الأوسط

الأشجار الميكانيكية.. تقنية جديدة لامتصاص غازات الاحتباس الحراري من الهواء

أدى قرنان من حرق الوقود الأحفوري إلى ضخ ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، وهو أحد غازات الدفيئة القوية، بكميات أكثر بكثير مما تستطيع البيئة إزالته أو التخلص منه بشكل طبيعي.

عندما يتراكم ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، فإنه يحبس الحرارة الزائدة بالقرب من سطح الأرض، مما يتسبب في الاحتباس الحراري الذي يرفع درجة حرارة الأرض ويؤدي إلى تغيرات في المناخ.

لذا تعمل وزارة الطاقة الأمريكية على تقنية جديدة تسمى “الأشجار الميكانيكية”، تستخدم فيها التفاعلات الكيميائية لالتقاط ثاني أكسيد الكربون من الهواء بشكل مباشر، وتهدف للتوسع فيها.

يوجد الكثير من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي الآن لدرجة أن معظم السيناريوهات تؤكد أن إنهاء الانبعاثات وحده لن يكون كافياً لتحقيق الاستقرار في المناخ، سيتعين على البشرية أيضًا إزالة ثاني أكسيد الكربون من الهواء.

تحدث كلاوس لاكنر أستاذ الهندسة ومدير مركز انبعاثات الكربون السلبية بجامعة ولاية أريزونا (Arizona State University)، في مقال له نشر على موقع The Conversation الأمريكي، عن هذه التقنية، وعن المقصود بالإزالة المباشرة للكربون، وأسباب ضرورتها.

يقول لاكنر إن تقنية إزالة الكربون ميكانيكيًا قيد التطوير وتعمل على نطاق صغير جدًا، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن الأساليب الحالية باهظة التكلفة نظرًا لأنها تستهلك الكثير من الطاقة، لكن يتم اختبار تقنيات جديدة هذا العام يمكن أن تساعد في خفض استخدام الطاقة المستخدمة في هذه التقنية مما يحد من التكلفة.

يضيف: ” عندما أصبحت مهتمًا بإدارة الكربون في أوائل التسعينيات، لاحظت أن الكربون يتراكم في البيئة، وتستغرق الطبيعة آلاف السنين لإزالته ما يرفع من تركيزات ثاني أكسيد الكربون العائم في البيئة، لدرجة لا يمكن للبشرية تحملها، لذلك حولنا الوصول لتقنية تمكنا من التخلص منه”.

يشير لاكنر إلى أنه ليست كل الانبعاثات من مصادر كبيرة، مثل محطات الطاقة أو المصانع، حيث يمكن التقاط ثاني أكسيد الكربون مباشرة عند خروجه، ما دفع العلماء للوصول إلى طريقة تمكنهم من التعامل مع النصف الآخر من الانبعاثات الذي ينتج عن مصادر صغيرة مثل السيارات والطائرات، أو حتى الصادر عن أفران الغاز الصغيرة في المنازل، حيث ينطلق الغاز ويختلط بالهواء بسرعة، وهذا يعني ضرورة التوصل لتقنية تسحب ثاني أكسيد الكربون من الهواء في أي مكان في العالم، على أن يكون في نفس المكان الذي نخطط فيه لاستخدام أو تخزين ثاني أكسيد الكربون.

يؤكد لاكنر أن ثاني أكسيد الكربون يختلط بسرعة في الهواء، فلا يهم مكان إزالته أينما كان في العالم، كما أن طريقة التخزين مهمة أيضا.

يقول: “إن تخزين ثاني أكسيد الكربون 60 عاما أو 100 عام ليس جيدا بما يكفي، فإذا عاد كل هذا الكربون إلى البيئة بعد 100 عام من الآن، فسيكون كل ما فعلناه هو الاهتمام بأنفسنا، وعلى أحفادنا اكتشاف ذلك مرة أخرى، وفي غضون ذلك، ينمو استهلاك الطاقة في العالم بنحو 2% سنويا”.

حول المشاكل المتعلقة بالتقاط الهواء المباشر، يرى لاكنر أن التكلفة ليست هي الأزمة الوحيدة، ولكن كثافة استهلاك التقنية للطاقة أيضًا، حيث تتطلب العملية تشغيل مراوح لسحب الهواء ثم التسخين لاستخراج ثاني أكسيد الكربون، وتستهلك هاتان المرحلتان الطاقة بكثافة، لكنه أكد أن هناك طرق لتقليل الطلب على الطاقة لكليهما، وهي الأشجار الميكانيكية.

يقول لاكنر: “نعمل على اختبار تقنية متطورة تسمى الأشجار الميكانيكية، هي عبارة عن أعمدة رأسية طويلة من الأقراص مغطاة براتنج كيميائي، يبلغ قطرها حوالي خمسة أقدام، مع أقراص متباعدة بحوالي بوصتين، مثل كومة من السجلات”.

والراتنج، هو مادة صمغية عبارة عن مركب عضوي طبيعي أو صناعي يتكون من مادة سائلة غير بلورية أو لزجة.

يضيف: “أثناء هبوب الهواء، تمتص أسطح الأقراص ثاني أكسيد الكربون، وبعد 20 دقيقة أو نحو ذلك تمتلئ الأقراص، وتغرق في برميل في الأسفل، وبعها نرسل الماء والبخار لإطلاق ثاني أكسيد الكربون في بيئة مغلقة لتخزينه”.

يستطرد: “باستخدام الرطوبة، يمكن تجنب حوالي نصف استهلاك الطاقة واستخدام الطاقة المتجددة للباقي. هذا يتطلب الماء والهواء الجاف، لذلك لن يكون مثاليًا تنفيذه في أي مكان، لكن هناك أيضًا طرق أخرى قيد التطوير”.

عزل وتخزين ثاني أكسيد الكربون هو عملية دفن غاز ثاني أكسيد الكربون في باطن الأرض، ويتم ذلك بعد فصل الغاز واحتجازه في صهاريج عند انبعاثه من محطات توليد الكهرباء. تتم عمليات الفصل والاحتجاز والدفن لغاز ثاني أكسيد الكربون بهدف التخفيف من زيادة حرارة الأرض التي أصبحت تؤرِّق العالم لأنها تهدد مستقبل حياة البشر على الأرض. يتم تخزين ثاني أكسيد الكربون المعزول في ما يسمى بالوعة ثاني أكسيد الكربون.

اقرأ أيضًا.. الهندسة الجيولوجية الشمسية.. محاولات علمية للتدخل في نظام المناخ على الأرض

 

الأشجار الميكانيكية وتخزين الكربون

لكن هل يمكن تخزين ثاني أكسيد الكربون بأمان على المدى الطويل، وهل هناك ما يكفي لتخزين كل هذه الكميات الموجودة في البيئة؟

يقول لاكنر إنه يمكن للعالم التخلص من ثاني أكسيد الكربون بشكل دائم من خلال عدة طرق، أولهما دفنه في خزانات ضخمة تحت الأرض، والثانية عن طريق الاستفادة من حقيقة أنه حمض وأن بعض الصخور قاعدية، ما يعني تحويله إلى حجر في أقل من عامين عبر تقنية تسمى “كاربفيكس”.

عندما يتفاعل ثاني أكسيد الكربون مع المعادن الغنية بالكالسيوم، فإنه يشكل كربونات صلبة، ومن خلال تمعدن ثاني أكسيد الكربون، يمكن تخزين كمية غير محدودة تقريبًا من الكربون بشكل دائم.

على سبيل المثال، هناك الكثير من البازلت- الصخور البركانية- في أيسلندا التي تتفاعل مع ثاني أكسيد الكربون وتحوله إلى كربونات صلبة في غضون بضعة أشهر.

يقول لاكنر إنه يمكننا أيضًا استخدام تقنية التقاط الهواء المباشر والأشجار الميكانيكية لإغلاق حلقة الكربون، ما يعني إعادة استخدام ثاني أكسيد الكربون والتقاطه ثم إعادة استخدامه مرة أخرى، وبهذه الطريقة نتجنب إنتاج المزيد.

كما يمكن تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى وقود اصطناعي- بنزين أو ديزل أو كيروسين- لا يحتوي على الكربون بداخله عن طريق خلط ثاني أكسيد الكربون بالهيدروجين الأخضر الناتج عن الطاقة المتجددة.

يرى لاكنر أن هذه التكنولوجيا بعد 10 سنوات ستجعل العالم يتخلى عن الوقود الأحفوري تدريجياً.

لتنظيم الأمر، حتى لا تتمكن الشركات الكبرى أو الدول من خداع العالم في مسألة التخلص من الكربون، يقول لاكنر إنه عندما يخرج الكربون من الأرض، يجب أن يقترن بإزالة متساوية، بمعنى إذا أنتجت طنًا واحدًا من الكربون المرتبط بالفحم أو الزيت أو الغاز، فأنت بحاجة إلى التخلص من طن واحد في المقابل،  ليس من الضروري أن يكون نفس الطن، لكن يجب أن تكون هناك شهادة حبس تؤكد أنه قد تم التخلص من الكربون، ويجب أن تستمر أكثر من 100 عام، وإذا تم توثيق كل الكربون منذ اللحظة التي يخرج فيها من الأرض، فسيكون من الصعب خداع النظام.

حول الوقت المتوقع لانتشار الأشجار الميكانيكية في العالم يقول: “قد تستغرق التكنولوجيا الجديدة عقدًا أو عقدين لتنتشر، لكن إذا حققت جاذبية اقتصادية، يمكن أن تسير الأمور أسرع.

تابعنا على نبض

قد يعجبك ايضا

اترك رد