بث تجريبي
منصة رقمية متخصصة بقضايا التغير المناخي في مصر والشرق الأوسط

كل شيء عن خطة أوروبا لضبط سوق الاستثمار الأخضر في 2022

اقترب الاتحاد الأوروبي من إقرار خطته التي تعرف باسم “تصنيفات التمويل المستدام”، وتهدف لوضع ضوابط صارمة وقواعد لضبط الاستثمار الأخضر أو ما يسمى أيضًا بسوق التمويل الأخضر، والذي يستهدف المشاريع الاستثمارية لمكافحة تغير المناخ.

وفق وكالة الأنباء الفرنسية، تواجه خطة الاتحاد الأوروبي، التي وزعت نسختها النهائية في 31 ديسمبر الماضي على الدول الأعضاء، هجومًا حادًا من البعض لأسباب بيئية ومناخية.

وخلال اجتماع أسبوعي عقد صباح اليوم الأربعاء، أقرت المفوضية الأوروبية قائمة معايير لتصنيف الاستثمارات في الغاز والطاقة النووية لتوليد الكهرباء على أنها “مستدامة”، وهو الأمر الذي كان يقتصر في السابق على مصادر الطاقة المتجددة فحسب، وهو ما واجه اعتراضًا كبيرًا من بعض الدول الأعضاء.

لكن ما هي تفاصيل هذه الخطة؟ وكيف تؤثر بشكل كبير على سوق الاستثمارات الخضراء في العالم؟ ولماذا تثير الجدل في أوروبا الآن؟

الاستثمار الأخضر ما هو؟

يعود الحديث عن الخطة والجدل المصاحب لها إلى العام 2019، عندما أعلن الاتحاد الأوروبي أنه يدرس وضع قواعد لمراقبة سوق التمويلات الخضراء، وهى واحدة من أسرع الأنشطة نموا في مجال التمويل، ويبلغ حجمه 30 تريليون دولار، في سابقة تنظيمية هي الأولى من نوعها لهذا السوق الضخم، الذي لم يشهد من قبل أي  قواعد تنظيمية أو رقابة متخصصة عليه.

ظهر التمويل  أو الاستثمار الأخضر حديثًا، تزامنًا مع التأكيدات العلمية على وجود أزمة مناخية ضخمة، سبهها ارتفاع درجة حرارة الأرض، وتفاقم الاحترار العالمي، ما يهدد الكوكب بأكمله، ويتطلب إجراءات صارمة من بلدان العالم نحو خفض الانبعاثات الكربونية لتخفيف أثار الأزمة بجانب إجراءات وتحركات تمكن الدول المتضررة من تغير المناخ  من التكيف مع آثاره، هذه الاجراءات قد تأخذ شكل مشروعات وانشاءات تساهم في تخفيف الانبعاثات أو تحقيق التكيف مع تغير المناخ، وبالطبع، تلك المشروعات يلزمها تمويلات ضخمة.

على إثر ذلك، أصبح التمويل أو الاستثمار الأخضر نموذجًا جديدًا من نماذج التنمية الاقتصادية سريعة النمو التي تعتمد بشكل مباشر على الاستثمارات الخضراء التي تهدف إلى معالجة العلاقة المتبادلة بين الموارد الطبيعية للبيئة، وبين استغلال هذه الموارد بما يخدم المجتمع ويحقق الرفاه الاقتصادي، والحد من الآثار العكسية للنشاطات الإنسانية على التغير المناخي،  والاحتباس الحرارى واستنزاف الموارد.

شهد الاستثمار الأخضر العالمي نموًّا سريعًا، في ظل تطوير أدوات مالية مثل السندات المصنفة باعتبارها خضراء، والقروض الخضراء، وصناديق الاستثمار الخضراء، والتأمين الأخضر، والصكوك الخضراء التي صدرت في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وعلى الرغم من إصدار أول سندات خضراء كان في عام 2008، فقد تطور السوق بشكل كبير بعد عام 2015، حيث زاد الاهتمام العالمي بتمويل مشروعات الطاقة الخضراء.

تعرف “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية” التمويل الأخضر بأنه: تمويل يستهدف تحقيق النمو الاقتصادي مع الحد من التلوث وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وتقليل النفايات إلى الحد الأدنى، وتحسين كفاءة استخدام الموارد الطبيعية. كما يقصد بالتمويل الأخضر “استخدام المنتجات والخدمات المالية مثل القروض والتأمين والأسهم والسندات وغيرها من أجل تمويل المشروعات الخضراء أو الصديقة للبيئة، وتشمل تلك الاستثمارات كل من: الطاقة المتجددة، معالجة النفايات وإعادة تدويرها، تدوير مياه الصرف الصحي، حماية التنوع البيولوجي، التخفيف من التلوث الصناعي.

يعمل الاستثمار الأخضر طوال أكثر من عشر سنوات بلا أي قواعد تنظيمية وبلا رقابة متخصصة عليه، ما دفع الاتحاد الأوروبي لإعلان خطة شاملة لوضع معايير وشروط وقواعد لمراقبة هذا السوق الضخم.

تستمد هذه الخطة أهميتها من كون الاتحاد الأوروبي أحد أبرز الممولين الدوليين لمشروعات استدامة الطاقة وحماية المناخ والتنوع البيولوجي حاليًا وفي المستقبل، بقيمة تبلغ تريليون يورو (1.2 تريليون دولار) في العشر سنوات المقبلة، خصصت في 2020 وتستمر حتى عام 2030، لدعم الاقتصاد الأخضر.

ورغم أن لوائح التمويل البيئي التي سوف يعتمدها الاتحاد الأوروبي لن تطبق إلا في أوروبا، إلا أنه سيكون لها تداعيات عالمية، لأن الشركات التي تسعى للوصول إلى اقتصاد المنطقة البالغ حجمه 16 تريليون يورو، تفضل الاعتماد على قواعد منطقة اليورو أسهل من التكيف مع الأنظمة المتعددة.

وكالة بلومبرج الأمريكية قالت إنه مع غياب هيئات الرقابة الفيدرالية في الولايات المتحدة عن مراقبة هذا السوق، فإن جهود الاتحاد الأوروبي يمكن أن ينتهي بها المطاف باعتبارها معايير للتمويل الأخضر في جميع أنحاء العالم.

 

اقرأ أيضًا.. ما هو تغير المناخ؟ كل شيء عن أزمة القرن الـ 21

 

تفاصيل خطة ضوابط الاستثمار الأخضر

تهدف خطة الاتحاد الأوروبي، بالأساس، لوضع تعريفات مشتركة تخص الاستثمار الأخضر ومشروعاته، سعيًا للتخلص من الممارسات المضللة، التى تدعى استخدام المنتجات المستدامة حتى لو لم تساعد حقًا في مكافحة تغير المناخ، ما يجعلها عقبة أمام زيادة تطوير السوق.

كما تهدف لوضع قائمة بالأنشطة الاقتصادية والمعايير البيئية التي يتعين أن تستوفيها الاستثمارات كي تصنف خضراء، مع قصر علامة “خضراء” على المشروعات الصديقة للبيئة بحق.

سوف يطبق هذا التصنيف أيضًا على بعض التمويلات التي يقدمها الاتحاد الأوروبي، وهو ما يعني أن القواعد يمكنها أن تقرر أي مشروعات مؤهلة للحصول على تمويل حكومي معين.

تتمحور الأفكار التى تدرس حاليا في الإجابة عن أسئلة اساسية مثل، متى يكون الاستثمار أخضر؟

تدرس الخطة على سبيل المثال الاستثمارات الزراعية، وتتجه لاعتماد المشروعات التي تقلل انبعاثات غازات الدفيئة مع مرور الوقت.

أما في قطاع الغابات، ستعتمد المشروعات التي تفي بمتطلبات محددة مثل الحفاظ على التنوع البيولوجي وزيادة تخزين الكربون على مدى 20 عامًا

في مشروعات إنتاج الطاقة من الرياح والطاقة الشمسية والمياه،  سوف يشترط أن تظل الانبعاثات الصادرة عن هذه المشروعات، تحت الحد الذي ينخفض تدريجياً إلى الصفر بحلول عام 2050، وذلك على مدار دورة حياة المشروع بالكامل.

أما مشروعات النقل بالسكك الحديدية، فيجب ألا تصدر قطارات الركاب انبعاثات مباشرة أو تظل الانبعاثات أقل من الحد الأدنى بكثير مقارنة بـ المعدل الحالي لقطارات الديزل الأوروبية.

تسعى الخطة بوضوح لإصدار كتالوج أو دليل لتصنيف الممارسات المستدامة المؤهلة للحصول على التمويل والسندات الخضراء والصناديق وغيرها من المنتجات.

فريق الخبراء، الذي أوشك على الانتهاء من الخطة، يبحث مستوى استهلاك الطاقة والانبعاثات المتسقة مع اتفاقية باريس للمناخ، وتمكن حتى الآن من وضع معايير لأكثر من 100 نشاطًا اقتصاديًا، بدءًا من الكهرباء والتصنيع إلى النقل والزراعة.

بمجرد إقرار الخطة ودخولها حيز التنفيذ في 2020 كما هو متوقع، سيتعين على صناديق الاستثمار التى تدعي أنها تساهم فى تحقيق الأهداف البيئية أن تكشف فور تأسيسها عن مدى توافق استثماراتها مع المعايير الأوروبية الجديدة.

كما أن التصنيف سوف يكون أيضًا بمثابة أساس لمعايير الاتحاد الأوروبي للسندات الخضراء وعلامات المنتجات الأخرى المحتملة.

تعتبر السندات الخضراء، التي يتم إصدارها خصيصًا لتمويل المشاريع الصديقة للبيئة، هي أبسط أشكال التمويل المستدام وأكثرها رسوخًا، حيث مثلت الجزء الأكبر من الديون المستدامة التي تم إصدارها على مستوى العالم في 2019 والتي بلغت 364 مليار دولار.

تستهدف أوروبا، من تلك الخطة المعنية بـ تنظيم الاستثمار الأخضر، تحويل المزيد من الأموال الخاصة إلى هذه المنتجات لوقف التكاليف الهائلة لاتفاق باريس المناخى، حيث تحتاج أوروبا إلى ما يصل إلى 290 مليار يورو (319 مليار دولار) سنويًا كتمويل إضافي للوصول إلى تلك الأهداف، وفقًا لما ذكرته الهيئة التنفيذية للاتحاد الأوروبي.

كما أن هناك حاجة ملحة إلى 830 مليار دولار إضافية من الإنفاق المرتبط بالطاقة في كل عام على المستوى العالمي حتى عام 2050 لوقف معدل زيادة درجة حرارة الأرض عند 1.5 درجة مئوية، وذلك وفق لجنة الأمم المتحدة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ.

على إثر ذلك، ستؤثر الخطة بشكل كبير على حجم الاستثمارات الخضراء والمستدامة في العالم، والذي بلغ 30 تريليون دولار فى 2018، وفق التحالف العالمي للاستثمار المستدام، الذي يتتبع تدفقات هذه الأموال في خمس مناطق على مستوى العالم، نصفها تقريبًا موجود في أوروبا.

 

اقرأ أيضًا.. صافي صفر.. قصة أهم وأغلى “0” في العالم

 

معارضات لخطة الاستثمار الأخضر الأوروبية

واجهت الخطة أيضًا بعض العقبات التي نتج عنها خلافات حادة داخل البرلمان الأوروبي استمرت لمدة عام، أبرزها ما إذا كان يمكن اعتبار الطاقة النووية مؤهلة أو انه ينبغي استبعادها، ورغم وصول الخطة إلى مرحلتها النهائية في مطلع فبراير 2022، إلا أن الخلاف لا يزال محتدمًا.

صنفت الخطة، وفق المسودة النهائية، بعض مشروعات الغاز الطبيعي والطاقة النووية ضمن نطاق الاستثمار الأخضر، مؤكدة أنه من أجل الفوز بالعلامة، سيتم فرض قيود على هذه المشاريع والتي سيتعيّن إقرارها بحلول العامين 2030 و2045 على التوالي، إضافة إلى استيفاء المشروعات لقائمة طويلة من المعايير المصممة خصيصا لهذه القطاعات.

أهم تلك المعايير أن تملك استثمارات محطات الطاقة النووية خطة وتمويلا وموقعا للتخلص من النفايات المشعة على نحو آمن، كما يتعين عليها الحصول على تصريحات تشييد قبل 2045 كي تصنف خضراء.

أما استثمارات محطات الكهرباء التي تعمل بالغاز الطبيعي فلن تصنف خضراء إلا إذا كانت تنتج انبعاثات تقل عن 270 جراما من مكافئ ثاني أكسيد الكربون لكل كيلووات في الساعة، ويتعين عليها استيفاء مجموعة شروط منها تجهيزها تقنيا لحرق غازات منخفضة الكربون، واستبدال الوقود الأحفوري الأكثر تلويثا للبيئة، وأخيرًا حصولها على تصريحات البناء قبل 31 ديسمبر 2030.

واجهت هذه المعايير الرامية لوضع “علامة خضراء” على مشاريع الاستثمار الأخضر لمكافحة تغيّر المناخ ردود فعل غاضبة من معارضي الاعتماد على الغاز والطاقة النووية، امتدادًا لسلسلة من الخلافات تخللت النقاشات بين الدول الأعضاء الـ27 بشأن كيفية الوصول إلى اقتصاد بصفر انبعاثات كربونية بحلول العام 2050.

في حين أصرّت كلا من برلين وباريس على أن قطاع الطاقة الذي اختارته كل منهما يستحق “العلامة الخضراء”، انتقدت الدنمارك والسويد والنمسا وهولندا بشدة إدراج مشاريع الغاز، معتبرة أنه يقوّض التعهّد بأن يحدد التصنيف “معيارا ذهبيا” للمستثمرين.

فيما أوكلت المفوضية الأوروبية في النهاية بمهمة التوفيق بين كافة الأطراف، وهي مهمة سياسية غاية في الصعوبة وفق ما أكده العديد من النواب بالبرلمان الأوروبي.

وأرسلت الدول الأربع المعترضة على التصنيف رسالة إلى المفوضية مفادها أنه حتى مع فرض شروط، فإن اعتبار الغاز مستداما “يتنافى إلى حد كبير” مع أهداف اتفاقية باريس للمناخ.

أعرب معارضو الطاقة النووية أيضا عن مواقفهم، حيث هدد ممثل النمسا لدى المفوضية بالتصويت ضد زملائه عندما يتم عرض المقترح للموافقة عليه.

في يناير الماضي، أفادت “مجموعة المستثمرين في المؤسسات من أجل تغير المناخ”، التي تضم الأذرع الاستثمارية لـ مؤسسات “جي بي مورغان” و”غولدمان ساكس” أن إدراج الغاز سيقوّض طموحات الاتحاد الأوروبي لتحديد عتبة دولية للمعايير ذات المصداقية والقائمة على العلم في تصنيف الأنشطة الاقتصادية المستدامة.

رئيس مصرف الاستثمار الأوروبي ورنر هوير صرح معلقًا على هذه المعركة: “إذا خسرنا ثقة المستثمرين عبر بيع مشروع على أنه صديق للبيئة، ليثبت لاحقا بأنه عكس ذلك، فسنكون قضينا على الأسس التي نقف عليها عندما يتعلّق الأمر بتمويل أنشطة المصرف”.

رغم ذلك، يبدو أن الاتحاد الأوروبي في طريقه لإقرار الخطة النهائية رغم كل هذه الاعتراضات، ومؤشرات ذلك ظهرت بوضوح في أخر الاجتماعات التي تناقش المسودة النهائية للخطة.

وعلى الرغم من توقعات البعض بأن يتعرّض المقترح إلى فيتو محتمل من قبل عدد من الدول الأعضاء أو البرلمان الأوروبي، إلا أن بعض البرلمانيين استبعدوا ذلك، ما يؤكد أن ضوابط الاستثمار الأخضر التي شملتها المسودة النهائية، في طريقها لدخول حيز التنفيذ خلال العام الجاري 2022.

تابعنا على نبض

قد يعجبك ايضا

اترك رد