بث تجريبي
منصة رقمية متخصصة بقضايا التغير المناخي في مصر والشرق الأوسط

صناعة الأزياء تستهلك مواردنا وتفاقم أزمة تغير المناخ.. حان الوقت لتغيير ثقافة “الموضة”

تتطلب معالجة أزمة عالمية مثل أزمة تغير المناخ بذل جهود شاملة، لذا ليس من المنطقي أن نعمل على تحويل نظام الطاقة العالمي للطاقة النظيفة والمستدامة، ومن ناحية أخرى، نفرط في استهلاك مواردنا، ما يؤثر بشكل أو بأخر على السلامة البيئية للكوكب، وينعكس مجددًا على المناخ.

يستهلك البشر موارد بيئية في العام أكثر من الكمية التي يمكن للأرض أن تجددها بشكل مستدام.

صناعة الأزياء، على سبيل المثال، هي صناعة كثيفة الموارد، وتغيرات اتجاهات الموضة السريعة تتسبب في استهلاك مفرط لهذه الموارد، بجانب أنها ثاني أكبر ملوث في العالم بعد صناعة النفط، ويتزايد الضرر البيئي مع نمو الصناعة.

وفق تقديرات الأمم المتحدة، كمية المياه المطلوبة لصناعة بنطلون واحد من الجينز تصل إلى 10000 لتر، أي أنه عندما نغير بنطلونًا قديمًا من الجينز ونشتري وحدًا جديدًا، فإننا نستهلك 10000 لتر إضافي.

ناهيك عن أن صناعة بنطلون واحد من الجينز تطلق انبعاثات كربونية تعادل القيادة لمسافة 69 ميل.

تشير البيانات المتاحة إلى أن صناعة الأزياء تستخدم حوالي 1.5 تريليون لتر من المياه سنويًا، وهو ما يكفي لتلبية الاحتياجات الاستهلاكية لـ8 ملايين شخص سنويًا.

في الوقت نفسه، يفتقد 884 مليون شخص في جميع أنحاء العالم لمياه الشرب النظيفة، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية واليونيسيف.

تعاني العديد من البلدان بالفعل من إجهاد مائي ولن يؤدي تلبية الطلب على المياه إلا إلى تفاقم المشكلة السائدة.

كما أن الصناعة نفسها من الملوثات الرئيسة للمياه في جميع مراحلها، حيث تولّد صباغة الأقمشة ومعالجتها قرابة 20% من مياه الصرف الصحي في جميع أنحاء العالم.

والجدير بالذكر أن مياه الصرف الصحي، في بعض الأحيان، لا تتم معالجتها قبل إطلاقها في البيئة.

علاوة على ذلك، فإن عملية الإنتاج في صناعة الأزياء تستلك كميات كبيرة من الطاقة الحرارية والكهربائية.

مع الإدمان المتزايد للأزياء السريعة، فإن استهلاك الطاقة وانبعاثات غازات الدفيئة التي تتسبب فيها صناعة الأزياء ستزداد، ما يلغي جهودنا للتصدي لـ أزمة تغير المناخ.

لكن القصة لا تنتهى هنا، فالأضرار أكبر من ذلك، ومن الصعب حصرها بشكل دقيق.

عندما نتخلص من ملابسنا القديمة لصالح ما نشتريه من أزياء جديدة وفق اتجاهات الموضة، نلقيها في الغالب داخل مكبات النفايات، وفي كثير من الأحيان، لا يعاد تدوير غالبية عناصر النفايات تلك، ويتم التخلص منها  في مدافن النفايات، حيث ينبعث منها غاز الميثان، ما يساهم بشكل كبير في أزمة تغير المناخ.

تقوم بيوت الأزياء والشركات بحرق 87% من الملابس أو التخلص منها في مكب النفايات.

يجدر الإشارة إلى أن معظم انبعاثات الميثان التي يتسبب فيها الإنسان تأتي من ثلاثة قطاعات: الوقود الأحفوري، مثل معالجة النفط والغاز؛ المكبات والنفايات؛ والزراعة.

الميثان هو من الغازات الدفيئة القوية للغاية، وهو مسؤول عن حوالي 30 في المائة من الاحترار منذ حقبة ما قبل العصر الصناعي.

علاوة على ذلك، أفادت التقارير أن أكبر 15 ملوثًا للنسيج في أوروبا أنتجوا نفايات نسيجية بلغت 2000 طن في عام 2018، حيث تراوحت مساهمة كل دولة من 14.934 إلى 465.925 طنًا.

تراوح نصيب الفرد من نفايات المنسوجات، في البلدان المذكورة، من 2.1 إلى 14.8 كجم، تم إعادة تدوير حوالي 10٪ منها فقط بينما تم دفن حوالي 60٪ ، مع احتمال انبعاث غاز الميثان.

قدرت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بـ أزمة تغير المناخ (IPCC) أن انبعاثات غازات الدفيئة السنوية لصناعة الأزياء تعادل 10٪ من انبعاثات الكربون العالمية.

وفقًا لتقرير البنك الدولي، فإن هذه الانبعاثات أكثر من الانبعاثات التي تتولد عالميًا عن الرحلات الجوية الدولية ورحلات الشحن البحري مجتمعة.

وبهذه الوتيرة، سترتفع انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري في صناعة الأزياء بأكثر من 50% بحلول عام 2030.

الاتجاه اليوم هو شراء المزيد من المنسوجات أكثر من أي وقت مضى، حتى الذين لا يعانون من ندرة الملابس في دواليب ملابسهم.

العلامات التجارية والمجموعات المتغيرة والتسويق عبر الإنترنت تغري الناس بالإفراط في الاستهلاك. والنتيجة الواضحة هي تفريغ خزانات الملابس بالكامل للتخلص من الملابس القديمة وغير المستخدمة، والتي ينتهي بها المطاف في مقالب القمامة، دون إعادة تدويرها، ما يؤدي إلى زيادة انبعاثات الكربون.

أنفقت ستة بلدان مبلغًا كبيرًا على الملابس الجديدة، حيث بلغ متوسط ​​الإنفاق للفرد أكثر من 1088 دولارًا. تجاوز نصيب الفرد من الإنفاق على الملابس الجديدة في النمسا 1360 دولارًا خلال نفس الفترة.

في السعودية، بلغ الإنفاق على قطاع الملابس والأحذية خلال عام 2021 ما يقرب من 40 مليار ريال، حيث يبلغ نصيب الفرد من الإنفاق على الملابس الجديدة ما يقرب من 850 ريال. ولا تختلف الأرقام كثيرًا في باقي دول الخليج.

 

اقرأ أيضًا.. ما هو تغير المناخ؟ كل شيء عن أزمة القرن الـ 21

 

الملابس وأزمة تغير المناخ

تتطلب أزمة الموارد الطبيعية المحدودة والتأثيرات البيئية لصناعة الأزياء والحاجة الملحة للحد من انبعاثات غازات الدفيئة العالمية تغييرًا شاملًا في آليات صناعة الأزياء.

يجب أن تجد الصناعة، بما في ذلك منتجي المواد الخام ومنتجي المنسوجات ومصنعي الملابس والعلامات التجارية، طرقًا للتحول الأخضر، من خلال وضع مناهج جديدة في جميع مراحل الصناعة.

يجب أن تتبنى صناعة الأزياء كلاً من الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة بوتيرة أسرع مما هي عليه الآن.

كما يجب أن تركز على تقليل استهلاك المياه، حيث أن المستوى الحالي للاستهلاك غير مستدام على أقل تقدير.

بجانب أن مسألة معالجة المياه قبل تصريفها إلى المسطحات المائية المجاورة يجب أن تكون مسؤولية الصناعة نفسها وليس الحكومات.

مع ذلك، تظل اللوائح الحكومية هي المفتاح لضمان إعادة التدوير وإدارة مدافن النفايات وتصريف المياه المعالجة.

في حين أن الشركات المصنعة والعلامات التجارية والشركات الكبيرة سيكون لها دورًا رئيسًا في هذا الجهد للمساهمة في تحقيق هدف درجة الحرارة البالغ 1.5 درجة مئوية، يجب على المستهلكين التصرف بمسؤولية من خلال التوقف عن شراء سلع جديدة وتكديسها في خزانات الملابس الخاصة بهم دون داع.

يجب أن يغير المستهلكون من ثقافتهم في التعامل مع الأزياء والموضة، وأن يشتروا ما يحتاجون إليه فقط.

وعليهم أن يدركوا أن سعيهم خلف الموضة يكلف البشرية موارد كبيرة، ستنعكس بشكل أو بأخر على بيئتهم بشكل سلبي في المستقبل القريب، ما قد يفاقم أزمة تغير المناخ.

كما يجب أن يعي المستهلك أيضًا التأثيرات البيئية لعناصر الأزياء الخاصة به ويجب أن يكون مستعد لدفع التكاليف البيئية.

هناك أيضًا أمور أخرى يجب على المستهلكين مراعاتها  أثناء شراء بضاعتهم، أهمها أن يسألوا المصنعين بوعي عما إذا كانت تدابير الاستدامة قد تم أخذها في الاعتبار بشكل صحيح في عملية الإنتاج أم لا، وأن يشتروا بضاعتهم في النهاية من المصنعين الملتزمين بهذه التدابير، ومقاطعة غير الملتزمين.

جدير بالذكر أن أصحاب المصلحة في صناعة الأزياء، بدعم من اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن أزمة تغير المناخ (UNFCCC)، أنشأوا ميثاق صناعة الأزياء للعمل المناخي في عام 2018.

“ميثاق الموضة”، هو عبارة عن مجموعة من الأهداف المستدامة لصناعة الأزياء غايتها تجنب أزمة المناخ التي تسببها هذه الصناعة من خلال التشجيع على مستقبلٍ أكثر أماناً لبيئتنا وللمستهلكين كذلك.

يهدف الميثاق إلى معالجة ظاهرة الاحتباس الحراري وأزمة تغير المناخ بالقضاء على انبعاثات الغازات الدفيئة بحلول عام 2050، واستعادة التنوع البيولوجي مع التركيز بشكل خاص على استدامة المواد المستخدمة وعلى حماية الحيوانات والنباتات والحفاظ على محيطنا من خلال الحد من الاستخدام الكبير للمواد البلاستيكية ذات الاستعمال الواحد.

 

تابعنا على نبض

قد يعجبك ايضا
اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.