بث تجريبي
منصة رقمية متخصصة بقضايا التغير المناخي في مصر والشرق الأوسط

أزمة أوكرانيا تزيد من الضباب المخيم على مستقبل المناخ العالمي

تزامن اندلاع الحرب الأوكرانية مع صدور تقرير الهيئة الحكومية المعنية بتغير المناخ للحدّ من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وتخفيف آثار تغير المناخ العالمي، وأظهرت الحرب المندلعة مدى هشاشة العالم الطاقوية والمناخية، وعكست اعتماد العالم على الغاز والنفط بشكل رئيسي حتى اليوم، إضافة للفوارق بين دول العالم وجهودها في تعديل أنظمتها الطاقوية بما يخدم عملية مكافحة التغير المناخي.

 

ويعاني العالم اليوم من تذبذب في أسعار مصادر الطاقة بشكل غير مسبوق، والذي يهدد بازدياد الفقر والجوع والبرد لمئات الملايين من السكان حول العالم، إضافة لإمكانية اندلاع أزمات سياسية، بالتوازي مع ذلك تتسابق الأنظمة السياسية محاولة التخلي عن مصادر الطاقة الروسية وإيجاد بدائل للوقود الأحفوري من دول أخرى لسدّ حاجياتها، كل هذه الفوضى تأتي في ظل تهديدات المناخ المتعاظمة مع وجود آراء تذهب لعدم إمكانية السيطرة عليها من الآن وصاعداً، إن لم يكن هناك تحالف استثنائي، يشبه التحالف الدولي الذي تم للسيطرة على فيروس كورونا.

 

وفي سياق مشابه تعاني الدول وخصوصاً النامية ذات التعداد السكاني الكبير كمصر ونيجيريا والهند والخارجة من تبعات فيروس كورونا من أزمات مضاعفة، نتيجة عدم وجود التوازن في الخطط الحكومية، وغياب عوامل المرونة والكفاءة العالية في مؤسسات القطاع العام والخاص، الذي يجعلها أسرع وأكثر انسجاماً عند التعرض للأزمات الدولية المعولمة، كل هذه العوامل جعلت الكثير من دول الجنوب تؤجل الحديث عن بإجراءات الحدّ من ظاهرة الاحترار العالمي، لصالح خطط قصيرة الأمد لتأمين احتياجاتها الحالية التي فرضتها الأزمة في أوكرانيا.

 

وتلعب مصادر الطاقة اليوم دوراً محورياً في الصراع الحالي، ويعتبرها الكثيرون نقطة تحول تاريخية، فغالبية المشتغلين الأوروبيين في هذا المجال يعتبرونها معركة استقلال حقيقية سوف تنقلهم لضفة أخرى من التاريخ، في حال تم تحقيق خطط الاستقلال الطاقوي الصديق البيئة، ما يجعل الحرب الحالية، بذرة أمل للكثيرين مستقبلاً.

 

وفي هذا السياق نشرت وكالة الطاقة الدولية توصيات، كنوع من المحاولة لتخفيض حدة الصراع، تتضمن نصائح لخفض الاستهلاك الأوروبي من الغاز الروسي بمقدار الثلث مع نهاية 2022، وتقليل استهلاك النفط بمقدار 2.7 مليون برميل يومياً، مقارنة باستهلاك الاتحاد الأوروبي الذي كان 19 مليون برميل لكل برميل في 2019.

 

وفي الموضع نفسه أعلن الاتحاد الأوروبي في مارس الماضي عن خطته لخفض استهلاك الغاز الروسي بمقدار الثلثين بحلول نهاية العام الحالي، وهو هدف طموح للغاية بالنظر إلى أن أكثر 40% من الغاز المستهلك في أوروبا يأتي من روسيا.

 

اقرأ أيضًا.. الأمن الغذائي وتغير المناخ.. أزمة كبرى زادتها الحرب الروسية الأوكرانية تعقيدًا

أرقام ما قبل الحرب

 

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، تقدمت المشاريع الدولية الرامية للحدّ من انبعاثات الكروبون في الفترة الممتدة بين 2010-2015، وازدادت الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بمعدل متوسط 15% سنوياً، وارتفعت استطاعة طاقة الرياح العالمية من قرابة 170 غيغاواط في 2010 إلى 7 غيغاواط في عام 2021، كما ازدادت الطاقة الشمسية بشكل ملحوظ، وارتفعت من 40 غيغاواط عام 2010 إلى 707 غيغاواط في عام 2021، ولأول مرة شكل هذان المصدران أكثر من 10 % من مصادر الكهرباء العالمية، بزيادة 1% عن عام 2020، وأكثر من ضعف الاستطاعة العالمية عام 2015، عام اتفاقية باريس للحدّ من الانبعاثات.

 

أرقام صادمة

 

تهدف اتفاقية باريس الموقعة في عام 2015، إلى الحد من ظاهرة الاحتباس الحراري إلى أقل من درجتين، مع تفضيل القيمة درجة ونصف مئوية، مقارنة مع انبعاثات ما قبل العصر الصناعي، إذ ارتفعت درجة حرارة كوكبنا بحوالي 1.1 درجة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر بين 1850 و 1900.

 

وفي عام 2019، بلغت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية 45 مليار طن ، وما يقرب من 59 مليار طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون إذا تم أخذ جميع غازات الدفيئة في الاعتبار.

 

ويتناسب معدل الاحترار العالمي طرداً مع كمية غازات الدفيئة المنبعثة في الغلاف الجوي، وتشير العلاقة بينهما إلى وجود حد أقصى من غازات الاحتباس الحراري، التي يمكن للبشرية أن تطلقها للبقاء أقل من درجة محددة، وهو ما يعرف بميزانية الكربون.

 

ومع نهاية عام 2019، قدر الخبراء ميزانية الكربون المطلوبة للحفاظ على متوسط أقل من 1.5 درجة  مئوية حرارة متوسطة 420 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون، وحوالي 1200 مليار طن للبقاء أقل من درجتين.

 

هذه الأرقام والحسابات تدل على أنه من الضروري والعاجل أن يبدأ تخفيض الانبعاثات بدءاً من اليوم، على أن تصل لذروتها في عام 2025، كخطوة أولى للوصول للحياد الكربوني مع حلول عام 2050، لتجنب سيناريوهات كارثية في عام 2100 والتي تهدد بارتفاع متوسط درجة حرارة الأرض بين 3 و 8 درجة مئوية مع نهاية القرن الذي نعيش به، ما يعني أنه لدينا أقل من 30 عاماً لتغيير نظام عالمي تم بناؤه على مدى 150 عاماً، في ظل أرقام تقديرية تشير إلى أكثر من 80% من الطاقة في كوكبنا تأتي من مصادر أحفورية، المسؤول المباشر وغير المباشر عن ما يقارب من 75% من انبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكربون.

 

ما يجري اليوم في أوكرانيا يشكل ضربة قاتلة لطموحات السيطرة على تهديدات المناخ، وتزيد من قيم مؤشرات الخطر التي تم التوصل لها قبل اندلاعها، ما يجعل مهمتنا أكبر وأكثر استعجالاً لإيجاد حلول على المستوى الدولي والقاري والإقليمي أفراداً وجماعات.

تابعنا على نبض

قد يعجبك ايضا
اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.