بث تجريبي
منصة رقمية متخصصة بقضايا التغير المناخي في مصر والشرق الأوسط

النفايات والمياه الملوثة تحاصر سبخة قربة التونسية وتهدد التنوع البيولوجي “تحقيق”

تتأمّل حنان .ح ، عاملة بإحدى مصانع الخياطة بمدينة قربة، شاءت الأقدار أن تنتقل للعيش على ضفاف سبخة قربة، متزوّجة وأم لطفلين ، طائر الفلامنغو الوردي وقد أطال الوقوف على ساق واحدة دون كلل في السبخة . اقتربت منه مستمتعة بلقلقاته المنبعثة في تناسق من حناجره، أرادت اقتناص صورة علّها توثق اللحظة ، هاجمتها أسراب من البعوض “الوشواشة”، كما تسمى محليا. توشّح قميصها الأسود برداء من جحافل الناموس ، انتفضت في مكانها لتفزع  أسراب النحام التي طارت بعيدا، فهي تحب الهدوء ، تاركة ورائها الزائرة تحاول التخلص من أثر اللسع و ألمه.

غادرت بدورها المكان حاملة معها أعدادا من الحشرات الملتصقة بها ولدغات وتورمات على مناطق عدة من جسدها، وهاتف جوال خال لم يوثق سوى صرخات وهمهمات اختلطت بصوت رفرفات أجنحة ساكنات البحيرة حين قررت الانسحاب.

تقول حنان .ح :”انتقلنا حديثا للعيش في حيّ سكنيّ على ضفاف البحيرة ، فترة صعبة ، اختلطت فيها الروائح الكريهة المنبعثة من سبخة قربة القريبة من بيتنا بمشاهد الأوساخ و مجموعات البعوض الذي لم ترحمنا لسعاته”. تسترسل حنان .ح  في الحديث: ” لم أرى بعوضة من قبل بهذا النوع من الشراسة”. وتضيف بتعجب: “تغير شكلها وحدة لسعتها ، يتواصل الألم لعدة أيام وقد يلتهب المكان ونضطر لشراء بعض الأدوية المعالجة. لا تتصورين فرحة الأبناء بالعيش على مقربة من البحر ولكن الأمر أصبح كابوسا مزعجا.

التنوع البيولوجي في سبخة قربة أصبح مهدد والنظام البيئي تحت نيران شاحنات بلدية المكان التي تتخذ منه مصبّا عشوائيّا وقتيّا للنّفايات تارة والمواطنين تارة اخرى، ومصانع منتصبة على ضفافها لا تتواني في سكب مياه ملوثة وديوان وطني للتطهير يجدها ملاذا عند تعطل محطة الضخ أو تجاوز طاقة استيعابها.

كما أن هياكل ومؤسسات حكومية مشرفة مثل بلدية قربة والديوان الوطني للتطهير والمؤسسات الحكومية المتدخلة تناست أمرها، واخلّت بالتزاماتها الوطنية والدّوليّة في حمايتها، ممّا أضر بالتنوّع البيولوجي والنّظام البيئي بالسبخة.

منطقة رطبة مسجلة باتّفاقيّة رمسار

محمية مدينة قربة منطقة رطبة، تعرف مجلة الغابات المناطق الرطبة : مساحات من البحيرات والمستنقعات والأراضي الموحلة والمساحات المياه الطبيعية والاصطناعية سواء كانت دائمة أو وقتية حيث تكون المياه راكدة أو جارية عذبة أو مالحة بما في ذلك الشواطئ البحرية التي تتردد عليها طيور الغدران ، قانون عدد 88-20 بتاريخ 13 أفريل 1988) ومسجلة باتفاقية رمسار الدولية من جملة 8 مناطق رطبة بولاية نابل و42 منطقة رطبة بكامل تراب الجمهورية.

تنقسم سبخة قربة إلى 3 أجزاء : قصر غالب، سبخة العبايدية، السبخة الشرقية. تمتدّ على مساحة 19 هكتارا وتوجد بالجهة الجنوبية، جزء كبير منها يشبه المستنقعات وتغمرها مياه الأمطار، يحدّها من جهة البحر كثبان رملية يصل ارتفاعها إلى المتر وهي مثبّتة بوجود النّباتات وتوجد العديد من الفتحات بين البحر والبحيرة و بها جزر عائمة صغيرة تنمو بها نباتات تمثّل أماكن لتعشيش الطّيور المائيّة ومن الجهة الشّماليّة توجد مسالك تشقّ البحيرة ويستعملها المصطافون للعبور صيفا باتّجاه  البحر.

صورة للبحيرة من جوجل ايرث

 

النّاشط في المجتمع المدنيّ يوسف الجريبي  يروي بحسرة ماضي البحيرة الآمن: ” تميزت محمية قربة منذ الثمانيات بتنوّع بيولوجيّ ومنظومة ايكولوجيّة ساهمت عديد العوامل في تدهورها، فقد كانت تلبّي احتياجاته الاقتصاديّة والاجتماعيّة ، كانت مصدرا للسّمك والملح وكان هناك موسما لحصاد السمّار بالمنطقة وكانت ملاذا للطّيور والحيوانات والزّواحف والقوراض”.

لم تبق سبخة قربة على حالها بل أصبحت مهدّدة بسبب الضغوطات البشرية التي طالت التنوع البيولوجي وبرغم إدراجها باتفاقية رمسار الملزمة للحكومات الموقّعة بالحفاظ على المناطق الرطبة ووضع مبادئ التخطيط والتصرف فيها والمحافظة على المنظومات الايكولوجبة الساحلية فيها وبرغم ترسانة القوانين الخاصة بها على الصعيد الوطني والعالمي، أهملت وشرّدت طيورها واتلف نباتها ودمّرت كثبانها.

المصدر : دليل : من أجل التصرّف المستديم في المناطق الرطبة بالبلاد التّونسيّة لسنة2018

كل هذه القوانين الوطنيّة والعالميّة لم تكن كافية لبلديّة المكان كسلطة محلّيّة من مشمولاتها توفير وضع بيئيّ سليم ومعالجة التهديدات التي تترصّد بالبحيرة المذكورة مرجع نظرها ومنع إلقاء ما من شأنه أن يضرّ بالمتساكنين أو يحدث روائح كريهة وكذلك ردع الإلقاء الفوضوي للفضلات الصّلبة والسّائلة والغازيّة  (فصل267 من مجلة الجماعات المحلّية المنظمة لعمل البلدياّت).

 

المحمية ليست أولوية

بلديّة المكان لا تتوانى عن اتّخاذ سبخة قربة، مصبّا عشوائيّا وقتيّا لتجميع الفضلات عندما يتم غلق المصبّ الرئيسي أطلق عليها “نقاطا سوداء” ورئيس البلدية فوزي الحجيج لا يمانع من اتخاذ السبخة مصبا لتجميع النفايات المنزليّة إذا ما تمّ غلق المصبّ الرئيسي بالرحمة.

في المقابل  يتزيّن الموقع الرسميّ للبلديّة بصورة لـ سبخة قربة ولطائر النحام الوردي الذي تتّخذ منه شعارا لها، ولم يتمّ إدراج المنطقة في أيّ من البرامج التشاركيّة السّابقة.

 

صورة من الواجهة الامامية للموقع الرسمي لبلدية قربة

 

التقينا المكلّفة بإدارة المنظومات الطّبيعيّة بوكالة حماية المحيط الدكتورة نبيهة بن مبارك وكان لنا نصيب من لسع البعوض تقول معلقة على ذلك ” إنّ البعوض جزء طبيعي من منظومة التوازن البيئي ولكن من المفروض أنّها ليست سامة بهذه الطّريقة فعندما يكون هناك تلوّث تكون البعوضة سامّةّ ّ وتحدثت بن مبارك في هذا اللّقاء مطولا على أهمّيّة سبخة قربة والتنوّع البيولوجيّ بها وتهديداته.

أظهرت دراسات عدة  أن خصائص لدغة البعوض، وكذلك لعابها، يؤديان إلى تفاقُم بعض الأمراض وتؤثّر على الجهاز المناعي للإنسان ويعدّ من اشدّ الحيوانات فتكا بالانسان.

رئيس كاهية مدير الإدارة الفرعيّة للنّظافة والعناية بالبيئة ببلدية قربة المهندس شكري بوراوي يقول إنّ مستوى الإنغمار في السّبخة الشرقيّة قد ارتفع، وأنّ منظومة الحياة البيئية تغيّرت، وأنّ ظهور اشكال الحشرات يكمن بالاساس في توالدها بصفة دوريّة وتغيّر دورة الحياة لديها.

و أضاف  أنّه :”علميّا لا يستطيع مداواة المساحة الكبيرة فتصنيفها في الاتفاقيّات الدّولية تمنعهم من ذلك لان المبيدات الحشريّة تضرّ بالانسان والحيوان ( النحل والطيور) هذا مع صعوبة الإمكانيّات اللوجستيّة والماليّة لعمليّة المداواة بالطّائرة وإنّ عمليّات المداواة البيولوجيّة  تتجاوز إمكانيّات البلديّة.

فيما تتكدّس الفضلات الصّلبة على الحواشي : مّخلفات بناء، ونفايات منزليّة، يعتبر رئيس بلدية قربة فوزي الحجيج أنّ الشّأن البيئيّ بـ سبخة قربة، ليست اولويّة وأن له أولويات أخرى يعتبرها الأهم، إذ يقول: “البيئة نضعها في آخر اهتماماتنا”.

يفاجئنا رئيس البلدية بردّه اللاّمسؤول والذي يضرب عرض الحائط بجميع القوانين والإتّفاقيات الدولية فيما تلزمه مجلّة الجماعات المحلّيّة في الفصل عدد 266 وذلك عبر جهاز الشرطة البيئيّة الذي عهد إليه تطبيق القانون المنظّم لمجال المحافظة على البيئة والصّحّة والنّظافة العامّة ويتولّى رئيس البلديّة تسييره ومعاينة الإخلالات للتّراتيب الصّحّية من ناحية والبيئيّة من ناحية أخرى.

(الفصل 266)

عاينت فرقة الشرطة البيئيّة بقيادة صلاح بن جدّو المصانع المركّزة على ضفاف البحيرة والتي تقوم بإلقاء عشوائيّ لفضلات متأتّية من نشاطها الصّناعيّ بصفة مباشرة بالسّبخة مع صبّ الفضلات في مجاري الأودية.  وقال رئيس الشرطة البيئيّة ان هذه المصانع ليس لها قنوات خصة بتصريف المياه  وإنّ لها ربط مباشر بالسّبخة .

وقد تمّ تسجيل عدد 3محاضر جنحة ضدّ مصنع تحويل المواد الغذائيّة لإلقائه الفضلات بصفة عشوائيّة  في سبخة قربة بتاريخ 12 جويلية 2021 والتّسبّب في روائح كريهة ورمي الفضلات في مجاري المياه . و إحالتها إلى النيابة العمومية للتكفّل بالموضوع.

و تتركز أيضا بجانب سبخة قربة في منطقة الحطّوبة معصرة زيتون ، يقوم صاحبها بتعبئة المرجين (مادة المرجين، وهي مادة سائلة مستخلصة من عصر الزيتون تصنف بأنها مادة سامة وملوثٌ بيئي شديد التأثير متى ما صُرّفت في الطبيعة) وصبّه مباشرة بالقنال الرّابطة بالسبخة ويعتبر في حالة عودة. وتمّ في ضوئها تسجيل محضر جنحة ضدّ صاحبها لرميه المرجين بالسبخة يوم 30 ديسمبر 2021.

مؤسّسات صناعيّة تصبّ سمومها مباشرة في منطقة رطبة تهدد بموجبها التنوع البيولوجي والصحة العامة للسكان والأجيال القادمة ولم يصدر قرار وحيد ولو بالغلق المؤقت في حقها . كما أكّد ذلك رئيس بلديّة قربة فوزي الحجيج الذي يرى أن لا سلطة لديه لذلك لردع المخالفين وأنه  يقدّر أولا الضّرر الاجتماعي الحاصل مقابل غلق مؤسّسة صناعيّة تشغّل المئات من العمّال وإحالتهم على البطالة ، فتقدير الضرر حسب الأولوية و الأولوية الاجتماعية أهم من الأولويّة البيئيّة والثقافة البيئية في آخر الاهتمامات.

ينصّ القانون عدد 30 لسنة 2016 المؤرخ في 5 أفريل 2016  و المتعلّق بتراتيب حفظ الصّحّة بالمناطق الراجعة للجماعات المحلّية على أنّ رئيس الجماعة المحلّية يتّخذ قرارا بغلق المحلّ  مكان ارتكاب الجنحة بصفة وقتيّة  وهو ما  أكده  رئيس الجامعة العامّة للبلديّات عدنان بوعصيدة  إذ يقول “إن للبلدية السّلطة بإصدار قرار الغلق المؤقت لأسباب إخلالات بيئيّة ” .

وكما تؤكّد أيضا الاستاذة المحاضرة في قانون البيئة بالجامعة التونسية عفاف مراكشي  انه استنادا للفصلين 266 و 267 من مجلة الجماعات المحلّية  باستطاعة رئيس البلدية غلق المؤسسات المخالفة بصفة وقتيّة.

من ناحية أخرى لم تقم الشرطة البيئيّة  بتسجيل أي مخالفة ضدّ الدّيوان الوطني للتطهير ، الذي يقوم بصبّ المياه الملوّثة وغير المعالجة مباشرة في السبخة إذا ما تعطّلت محطّة الضّخّ الرّئيسيّة بقربة أو تجاوزت طاقة استيعابها ممّا يتسبب في تلويث سبخة قربة والروائح الكريهة بها ، كما لم تقم بإعلام ووزارة الإشراف بوجود انتهاكات من طرفه وهو ما تأكدنا منه من خلال مطلب نفاذ إلى المعلومة تقدمنا به إلى المصالح المكلّفة بذلك.

في المقابل يقول رئيس الجامعة الوطنية للبلديات عدنان بوعصيدة إنّه ” من المفروض القيام بنفس الإجراء مع الدّيوان الوطني للتطهير أو أيّ مؤسّسة عموميّة أخرى ، ليس لها حل آخر سوى المراسلة ثم المقاضاة “.

 

سبخة قربة.. منطقة ذات مؤشر تلوث عال

 

إنّ ما ترصده العين المجرّدة من تغيّر للون المياه و كثرة الحشرات و الروائح الكريهة المنبعثة منها، زد عليه تشكّيات المتساكنين كاف للتّأكد من حجم الكارثة البيئيّة التي أحلّت بالسّبخة ، وضعيّة كان لا بدّ من تسليط الضوء عليها وتتبّع حجم التلوّث والتّدهور البيئي بالمكان عبر القيام بدراسة الخصائص الفيزيائية والكيمائية لبحيرة قربة وأخذ عيّنات من المياه من نقاط تصريف مختلفة للملوّثات السّائلة والصّلبة لكنّنا لم نستطع ذلك فكلفتها العالية وضعف الميزانيّة المخصّصة للّتحقيق  احالت دون ذلك ولم نستطع الحصول على أطراف  تمويل مستقلّة تتبنّاها.

توجّهنا إلى مصالح الإدارة الجهويّة للصّحّة بنابل بطلب النّفاذ إلى المعلومة بحثا عن تقارير المراقبة الصحّية للمياه المستعملة والخام والمعالجة على مستوى شبكات التّطهير ومحطّات المعالجة التّابعة للدّيوان الوطني للتّطهير وكذلك بالمساحات السّقويّة بالمياه المستعملة والمعالجة التي تقوم بها دوريّا مصالح حفظ الصحة فالقانون يلزمها بذلك  و كانت الإجابة أن ” عملية القيام بالتحاليل البكتويولوجية للمياه المستعملة قد توقّفت بصفة ظرفية من طرف المخبر الحيوي لحفظ الصّحّة بنابل منذ شهر أكتوبر 2020 وذلك في إطار الإجراءات الوقائيّة ضدّ تفشي فيروس كورونا “.  ما عمّق يقيننا بحجم التجاوزات وضاعف شكوكنا في حجم الكارثة البيئيّة والصّحّيّة والأمراض التي قد تترتّب بسبب مياه الصّرف الصّحّي التي تنتظرنا والاجيال القادمة .

تقرير الوكالة الوطنية لحماية المحيط  المتابع للحالة البيئية بالمناطق الرطبة “رمسار” سنة 2019 أكّد أنّ تحليل المعطيات الفيزيوكيمائية للمياه من مجموع 02 نقاط متابعة وجود تلوّث كبير حاصل لبحيرة قربة وسجّل تسرّب وتراكم للمواد العضويّة بكمّيات كبيرة على ضفافها وارتفاع هام في نسبة الرّصاص والحديد والكدميوم وحتى الزئبق حيث تجاوزت نسبته المعدّل العادي وأنّ هذه الأرقام تؤكّد تلوّث مياه البحيرة من جراء تسرّب مياه محطّة التطهير من غير تنقية.

قياس المعطيات الفيزيوكميائية للماء
LQ1: من محطة التطهير ببحيرة قربة
LQ2: النقطة الثانية خلف المركز البيئي المحاذي للبحيرة
المصدر: تقرير الوكالة الوطنية لحماية المحيط المتابع للحالة البيئية بالمناطق الرطبة “رمسار” سنة 2019

 

امّا بخصوص السّبخة الموجودة بالجهة الجنوبيّة  والتي تغمر مياه الصّرف الصّحي الجزء الأوسط منها من المنازل المحيطة به إلى جانب سيلان مياه محطّة التفريغ بالشواشية التي عادة ما تسكب مياه ملوّثة إلى جانب وجود الفضلات المنزليّة وفضلات البناءوهو ماأكّده التقرير ذاته وأثبتت تحاليل نوعيّة مياه السبخة ارتفاع كبير في مادة الأوزوت العضوي والمعادن الثقيلة.

 

العنوان : تحليل نوعية مياه السبخة الوحدة ملغ/لتر
المصدر: تقرير الوكالة الوطنية لحماية المحيط المتابع للحالة البيئية بالمناطق الرطبة “رمسار” سنة 2019

 

لم يصدر عن الوكالة الوطنية لحماية المحيط  تقارير أخرى في متابعة منها للحالة البيئية للمنطقة منذ 2019 ، ولم نجد لدى الجمعيّات البيئيّة التي عهد لها متابعة الحالة البيئيّة بالمنطقة ، وبالأساس لدى جمعيّة البيئة وحماية الطّبيعة بقربة أية معطيات أو تحاليل جديدة بل كان الحديث عن وجود عيّنات تمّ رفعها منذ مارس 2021 ولم تصدر التّقارير بشأنها إلى حدّ كتابة هذا التّحقيق، وقد رفضت الجمعية اطلاعنا على محتوى هذه التحاليل للاستئناس بها.

وعلى ضوء ما جاء في تقرير الوكالة الوطنية لحماية المحيط  تساءلنا حول مدى مساهمة الديوان الوطني للتطهير في تلوّث مياه السّبخة وانتشار الروائح الكريهة التي انجرّ عنها تكاثر البعوض وتغير الدورة الحياتيّة له، خاصة وانّه يقوم من حين الى اخر بسكب مياه غير معالجة مباشرة بالسبخة إما بسبب عطب أو تجاوز طاقة الاستيعاب.

يلزم قانون41 لسنة 1993 الدّيوان الوطني للتطهير  بمقاومة كل أشكال التلوّث المائيّ الرّاجعة له بالنّظر لكنّ المدير الجهوي للتطهير بنابل البشير بن يوسف ارجع التجاوزات الحاصلة من طرف محطّات التطهير إلى الأعطاب و السّرقات التي طالت محطّة الضخّ الرئيسيّة في مناسبات عدّة وغياب حراسة للمحطّة بسبب غلق باب الانتدابات قائلا “ليس لنا أيّ حلّ سوى سكب المياه المجمّعة وغير المعالجة في البحيرة ّإلى أن يتمّ التدخّل من طرف الدّيوان وإصلاح الأعطاب أو تعويض ما سرق.

تحاليل دوريّة شهريّة إجباريّة دأب الديوان الوطني للتطهير القيام بها رفض طلبنا الإطلاع عليها رغم لجوئنا إلى الحق في النفاذ إلى المعلومة بعد تعذّر ذلك بالمسالك الإدارية الاعتياديّة تمّ على إثرها نشر دعوى قضائيّة لدى مصالح هيئة النفاذ إلى المعلومة، كما خلى موقعه من أي نشر لنتائج تحاليل العيّنات التي تنجز دوريا.

ما يعزّز الشّكوك حول ضخامة الانتهاكات الجسيمة لسلامة البيئة (التنوع البيولوجي ، المائدة المائية ، الهواء … ) وقد تكون المياه المسكوبة في البحيرة ليست وفق المعايير المضبوطة وامكانية معالجتها بطريقة ثلاثية.

لم نقف عند هذا الحد بل توجهنا إلى الجامعات ومراكز البحث للاطلاع على شهادات علميّة أكاديميّة موثّقة تجيب عن أسئلتنا وتحدّد حجم التّجاوزات والتّهديدات.

وتوصّلنا بمساعدة الدكتور الباحث عاطف الجوّاني والدكتورة الباحثة فاطمة عروس بالمعهد العالي للعلوم البيولوجيّة بتونس في قراءة لهما لرسالة ماجستير ومشروع تخرج بالمعهد العالي لعلوم وتكنولوجيا البيئة ببرج السدريّة.

وملخص لمشروع ثان مكّنتنا منه الدكتورة عبير مرزوقي الأستاذة بمركز بحوث وتكنولوجيات المياه ببرج السدرية اهتمّت جميعها بدراسة الخصائص الفيزيائيّة والكيمائيّة لبحيرة قربة.

أكد كليهما أن معظم محطّات اخذ العيّنات كانت المياه فيها عكرة وغنيّة بالمواد الصّلبة العالقة، ومعدلات مرتفعة لعنصر النترات وارتفاع الايون الاورتوفوسفات والفوسفور الكلّي  كما سجّلت المعادن الثقيلة: DCO و DBO و الاملاح ارقاما مرتفعة فاقت المعايير التّونسية مما اثّر على نسبة الاكسجين في الماء نتج عنه ظاهرة التخثث ((eutrophisation) وهو مؤشّر تلوّث واضح مما يدلّ على تركّز النترات في الماء.

كما أكّد الدكتور الجوّاني في قراءة للصّور والفيديوهات التي تمّ التقاطها لـ سبخة قربة أن حجم الكارثة البيئيّة التي يتعرّض لها المكان كبير جدّا.

 

فأي مستقبل لهذه المنطقة الرطبة المصنّفة محميّة دوليّة في ظلّ هذا التّهاون والتخاذل الرسميّ وغياب ادوار المؤسّسات المشرفة على المنطقة والرّاجعة بالنّظر لها تماشيا مع الأهداف الأمميّة للتّنمية المستدامة (6-11).

 

تواصلنا مع جميعها  للإجابة على أسئلتنا ولبحث سبل المحافظة على المنطقة في إطار صلاحيتها ، ولم نتلقى سوى الصدّ او اللامبالاة من بعضها.

امتنعت وكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي عن إتاحة الفرصة لأي نوع من المقابلات الصّحفيّة ، رغم المراسلات العديدة والمتكرّرة.

فقد أشرفت في إطار مشروع صون المناطق الرطبة والنّظم البيئيّة السّاحليّة بحوض المتوسط منذ سنة 2001   على استصلاح الكثبان الرمليّة بشاطئ مدينة قربة على مسافة 1000 متر باستعمال حوالي 6000 متر من الحواجز الخشبيّة  (Ganivelle) ساهمت في الحدّ من الانجراف البحري تآكل جزء كبير منها وتمّ العبث بها واختفى المسلك الصحّي الايكولوجي ولم يتم صيانته منذ ذلك الحين واتلفت مراكز مراقبة الطيور التي تم تشييدها .  وجرفت الكثبان الرملية بعمليات الحراثة والزراعة العشوائية

واقتصرت إدارة الغابات في ردها على متابعة البلاغات التي قد تصلهم من أي طرف في حين غابت الرؤيا والمشاريع المبرمجة لفائدتها.

وزارة الإشراف  هي الأخرى لم تحرّك ساكنا ولم تتفاعل مع مطالبنا في تعيين من يوفّر لنا المعلومة ويشرح استراتجيتها في المحافظة على مثل هذه المحميّات العالميّة ومدى التزامها بالاتّفاقيّات الدّوليّة الموقّعة خاصّة ونحن نحتفل سنويّا باليوم العالمي للمناطق الرطبة بتاريخ 2 فيفري والذي جاء هذه السنة تحت شعار “العمل من أجل الاراضي الرطبة هو العمل من أجل النّاس و الطّبيعةّ ، كما نحتفل سنويّا باليوم العالمي للتنوّع البيولوجي بتاريخ 22 ماي  بالإضافة لليوم العالمي للبيئة بتاريخ 5 جوان من كل سنة.

 

تهديد للطيور المهاجرة

مساحة المنطقة الرطبة تقلصت بصفة ملحوظة من جرّاء البناء في اجزاء كبيرة منها ممّا اثرعلى وجود الطيور المائيّة صغيرة الحجم. إذ تعرف بحيرة قربة باستقطابها لانواع عديدة من الطيور المائية التي تقارب 60 نوعا تحتل بذلك المرتبة الاولى بالمقارنة مع المناطق الرطبة الساحليّة بالوطن القبلي وتعتبر الجزر الصّغيرة مكانا مناسبا للتّعشيش وقد أحصت الوكالة الوطنيّة لحماية المحيط 5500 طائر في جانفي 2021.

أعداد هذه الطيور وأنواعها مهدّدة بالتّراجع إذا لم تجد الغذاء وأماكن التعشيش المناسبة إذ تختار البعض منها الجزر الصغيرة العائمة ومنها من يختار المياه غير المالحة .

من جانبه أكد المختصّ في علم الطيور بجمعية أحبّاء الطّيور مجيب قابوس أن تضاعف الأنشطة الصّناعيّة والفلاحيّة والتلوّث الموجود بسبب مياه الصرف الصّحّي و النّفايات الصلبة والتّوسّع العمراني والصيد الجائر كلها عوامل تمثّل إزعاجا كبيرا للطّيور خاصّة على مستوى التعشيش .

بدورها المكلفة بالموارد الطبيعية بوكالة حماية المحيط أكّدت أنّ مستوى الانغمار المرتفع في سبخة قربة أضرّ بأعداد الطيور وخاصّة منها صغيرة الحجم لأنّها لم تعد تجد مكانا لها وهو ما يفسر وجود الطيور كبيرة الحجم فقط  كما اشارت ان الطائر المهاجر لن يقيم ولن يقضي الشتاء إذا وجد المكان  ملوّثا.

في فترة الصّيف تتعرض أعشاش  الطّيور إلى تهديدات بسبب الأنشطة الصيّفية زد عليه الحركة المرورية بالمكان التي نشطت أكثر بسبب تهيئة الطريق الجهوية وتركز عديد المنشئات التي قد تسبب تهديدا إضافيا للمنطقة نذكر منها محطات التزود بالوقود.

تقلص الغطاء النباتي

عمليات حرق ممنهجة لنبات السمّار عاينّاها وقمنا بتصوير الأماكن التي تم فيها عملية الحرق على طول المنطقة الفاصلة بين البحيرة والبحر، حدّثنا رئيس جهاز الشرطة البيئية عن هذه التجاوزات لم يكن على علم بها.

مساحات تفصل بين الكثبان الرمليّة والبحيرة تمّ فعلا حراثتها حيث وجدنا الابقار ترعى “القرط” المزروع و المنثور على أرض محميّة بالاتفاقيّات الدّوليّة  على مرأى ومسمع من جميع المتدخلين من مجتمع مدني ومؤسسات حكومية متدخلة ومتصرّفة في المناطق الرطبة.

تساهم الكثبان الرمليّة ، من بين الخاصيّات التي على أساسها تم تسجيل المنطقة في اتفاقيّة رمسار ، في التخفيف من حدّة الانجراف البحريّ وتعزيز استقرار الشريط السّاحلي و المحافظة على الشواطئ ، تعمل كحواجز أمام العواصف وأمواج البحر العالية وتوفّر موئلا للكثير من الحيوانات بما في ذلك الطيور المهاجرة ويعدّ النبات العامل الرئيسيّ لتثبيت الكثبان الرملية .

عاينا رفقة الاستاذة نبيهة بن مبارك نباتات منها الاكيوم، نبات ازرق اللّون ، نبتة الرشاردي وهي نبتة صفراء اللّون ، والقريصة او الحماضة ، الرتم ، السمار والقصب.

سنة 2018 كانت فيضانات نابل، ومكّنت المنطقة الرطبة من التّحكّم الطّبيعيّ في هذه الفياضانات من خلال استيعاب المياه والحدّ من حدوث فيضانات أخرى .

رئيس جهاز الشرطة البيئيّة ببلديّة المكان يؤكّد انّه ليس لهم ثقافة بيئيّة و لم يتلقوا سوى تكوينا قانونيّا وانه في غياب التكوين البيئي والصحّي لن يتسنّى له الوعي بالمخالفات والمخاطر البيئيّة التي تهدّد التنوّع البيولوجيّ ويمارس دوره في المقابل في تحسيس المواطنين والمخالفين بأهمّية وجود السبخة وظائفها العديدة و المتعددة .

من جانبه رئيس السلطة المحلّيّة يقول إن جهاز الشرطة البيئيّة عاجز عن آداء مهامه لاعتبارات لوجستيّة ، والمخالفات البيئيّة تبدأ بعد انتهاء التوقيت الإداريّ ويضيف أن رمي الفضلات شمل أيضا الصحيّة منها .

تساهم المنظومات الرطبة  بشكل حاسم في بقاء وتنمية المجموعات البشرية وتستمدّ خصوصياتها من تنوعها الذي يجعلها تؤدّي العديد من الوظائف.

اطلع الدكتور عاطف الجوّاني على الصور التي تثبت تعرض المنطقة الى ملوثات مثل رمي نفايات صناعية صلبة، البناء، الخردة والاثاث المستعمل، البلاستيك، ونفايات سائلة، مياه الصرف الصحي المتأتي من محطات التطهير والربط العشوائي للأحياء الغير مهيأة، والنفايات السائلة مثل مياه المصانع المتأتية من أنشطة صناعية ومعصرة الزيتون، زد عليها الانشطة البشرية من حرق وحرث واستغلال للأراضي المحيطة بـ سبخة قربة و استعمال المبيدات الحشرية و الرعي العشوائي.

أكد الجوّاني أنها عوامل تساهم بدرجة كبيرة في فقدان القيمة الايكولوجية للمنطقة و تؤدي إلى التخثّث وانتشار البعوض والحشرات ممّا ينعكس على الغطاء النباتي وعلى أعداد الطّيور المهاجرة  والدور الرئيسي التي تقوم به السبخة في تصفية الماء. ويحذّر  من أن الوضع حتما مؤهّل للتّفاقم في ظلّ الحديث عن تأثيرات التغيّرات المناخيّة. ويدعو إلى دراسة القيمة الايكولوجيّة للمنطقة وتثمينها و إلى الكف عن تلويث المكان.

كما دعا شكري بوراوي سلطة الإشراف والدّيوان الوطني للتطهير إلى مساعدة البلديّة بكمّيّات من المبيدات البيولوجيّة وإعداد دراسة معمّقة لسبل مقاومة الحشرات التي تغيّرت دورتها الحياتيّة ، في حين دعا عدنان بوعصيدة الدولة إلى تبني المشاريع التي تحافظ على المنظومة البيئية و تحارب الحشرات وتتجاوز الطرق التقليدية والرش بالطائرة لحماية المواطنين من لسع البعوض الذي يسافر كيلومترات وينشر سمومه في كل مكان.و استغلال مياه السباخ لتوليد طاقة شمسية لتنقية الماء حتى يصبح صالحا للشرب.

“كل ما احلم به هو سبخة نظيفة وأماكن لمراقبة الطيور مثلما كانت سابقا قبل ان يتم تهشيمها وممر صحي نمارس فيه الرياضة ونجلس على ضفافها دون أن تنغص الحشرات علينا جلستنا” تختم حنان. ح القاطنة بجوار سبخة قربة حديثها وهي تتابع سرب طيور قد حلّ قريبا منها على جزيرة صغيرة وسط البحيرة.

 

انجز هذا العمل الصحفي في إطار برنامج المساعدة على انتاج اعمال صحفية حول الحوكمة المحلية بدعم من مركز تطوير الإعلام

تابعنا على نبض

قد يعجبك ايضا
اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.