بث تجريبي
منصة رقمية متخصصة بقضايا التغير المناخي في مصر والشرق الأوسط

كيف تحولت روتردام لقلعة محصنة في مواجهة تغير المناخ وارتفاع مستوى سطح البحر؟

سلسلة المدن الغارقة (1)..

 

هذا التحقيق جزء من مشروع المدن الغارقة، وهو مشروع استقصائي يغطي استجابة 6 مدن حول العالم لارتفاع مستوى سطح البحر وتغير المناخ.

لا داعي للقلق بشأن تغير المناخ في روتردام حتى نهاية القرن، وذلك بفضل جهود المدينة تجاه التكيف مع المناخ والأعمال الهندسية التي دامت عقودًا.،  لكن رغم ذلك، قد يصبح أي خطأ في تخطيط الدفاعات ضد الفيضانات أكثر تكلفة مع تطور المدينة.

روتردام تعني حرفيا “سد على نهر روتا”، احتفالا بالسد العملاق الذي يعود إلى القرن الـ 13 والذي حمى قرية روتا من الفيضانات.

تدين المدينة بوجودها للبحر، حيث بدأت كمستوطنة صيد صغيرة ونمت لتصبح أكبر ميناء بحري في أوروبا، وحتى أصبحت أكبر ميناء بحري في العالم.

مدينة حدودية تحتضن 175 جنسية، مع مهاجرين أعدادهم أكثر من السكان الأصليين، وتعتبر أعلى مستوى انتشار في العالم للغة الإنجليزية كلغة ثانية، تتدفق من روتردام مع الأعمال الدقيقة.

يفعل الجميع هناك ما يشاء، لذلك لا تتفاجئ أثناء المرور في شوارعها عندما ترى، مثلًا، رجلا يتجول ويضع سحلية الإغوانا على ذراعه، الخصوصية أمر مهم في روتردام، ولا يسمح سكانها لأي شخص بإزعاج سلامهم الشخصي.

ومع ذلك، فإن نفس الجغرافيا التي سمحت لروتردام بالتطور والازدهار تهدد الآن بقائها. المياه في كل مكان حول روتردام: نهر ميوز يقطع المدينة إلى نصفين، وصراخ طيور النورس هو تذكير وتحذير دائم بالبحر القريب، حتى الاسترخاء في الحديقة يمكن أن يتحول فجأة إلى لقاء مع المياه التي تتسلل من الأرض.

تواجه روتردام تهديدات متعددة ومضاعفة بسبب تغير المناخ: يفترض أحدث تنبؤ أجراه المعهد الملكي الهولندي للأرصاد الجوية (KNMI) ارتفاع مستوى سطح البحر بين 30 سم و 1.21 متر بين عامي 1995 و 2100، اعتمادا على مسار الانبعاثات وبما يتماشى مع توقعات  الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ.

بحلول عام 2050، من المرجح أن يرتفع البحر بمقدار 14 – 47 سم. وفي الوقت نفسه، ارتفع مستوى سطح البحر بالفعل بنحو 20 سم بين عامي 1900 و2018، وتسارع الارتفاع في العقود الماضية.

بصرف النظر عن الخطر المتزايد للفيضانات الساحلية، فإن ارتفاع مستوى سطح البحر (SLR) يعني أن المياه المالحة تخترق أعمق المناطق الداخلية، مما يهدد الزراعة وإمدادات المياه العذبة.

من المرجح أن تواجه إمدادات المياه العذبة في روتردام مشكلة كبيرة بمجرد أن يصل ارتفاع مستوى سطح البحر إلى 35 سم، وربما حتى قبل عام 2050.

كما أن هناك ظواهر جوية متطرفة تطارد المدينة بالفعل. فالجفاف هو الجانب الآخر من هطول الأمطار، حيث يوازن كل منهما الآخر.

أوضح بيتر سيغموند، عالم المناخ في المعهد الملكي الهولندي للأرصاد الجوية (KNMI)، أنه في حال زادت كمية الأمطار محليا، فيجب أن تنخفض في أماكن أو أوقات أخرى بنفس الكمية تقريبا.

وقال: “هذه هي القصة وراء سبب وجود فترات أكثر جفافا وهطول أمطار أقوى”.

منظر لدلتا نهر روتردام الثلاثي. المصدر: NASA World Wind

 

مركز عالمي للابتكار في التكيف

 

سوف تكافح روتردام من أجل مواكبة المناخ المتغير، بسبب الجمع بين المخاطر الناجمة عن البحر والنهر وموقعها الموجود تحت مستوى سطح البحر .

في الوقت نفسه، تؤكد قرون من التعايش والتعامل مع المياه أن مخططي مدينة روتردام يدركون جيدا المخاطر ويواجهون التحدي.

تعمل الحكومات الوطنية وحكومات المدن بشكل متضافر مع مدينة روتردام لمقاومة للمناخ، حيث تنفق أجزاء كبيرة من ميزانياتها على التكيف مع المناخ وتهدف إلى تعبئة مختلف المجموعات المجتمعية لدعم قضيتهم.

أكد عمدة المدينة أحمد أبو طالب للجمهور في قمة التكيف الأفريقية في عام 2022 أن “جزءًا كبيرًا من الميزانية الوطنية يستثمر في روتردام”.

بعد فترة طويلة من قبول التكيف مع المناخ كضرورة للبقاء على قيد الحياة، تقوم السلطات الهولندية وروتردام بتحويل التحدي إلى فرص. حيث استثمرت المدينة في دعم صورتها كمركز عالمي للابتكار في التكيف.

يعود الفضل في تحويل المدينة لعلامة تجارية ناجحة في مجال الابتكار في التكيف، لسكان روتردام أنفسهم، ومواقفهم المباشرة والمستقلة والساخرة بقسوة أحيانًا حتى من الكوارث والأزمات.

روتردام لديها أعلى نسبة من العاملين لحسابهم الخاص في البلاد. والمدينة لا تطلب المساعدة ولا الإذن ورغم ذلك مستمرة.

التكيف هو عنصر من عناصر قصة الابتكار في المدينة، ويساهم في خلق فرص العمل والنمو الاقتصادي مع حماية سبل العيش في المستقبل.

يتوصل الهولنديون، وخاصة في روتردام وحولها، إلى طرق جديدة للتعامل مع المياه وتصدير هذه المعرفة إلى الخارج.

وخلال قمة التكيف في أفريقيا، قدم رئيس البلدية، أبو طالب، روتردام باعتبارها “المختبر الحي للتكيف مع المناخ، حيث تقدم عرضا ملهمًا للعالم”.

المنازل العائمة والمكاتب وحتى المزارع والأسطح الخضراء والحدائق الإسفنجية، كلها لها وظيفة مزدوجة تتمثل في حماية المدينة والترويج لها.

منازل عائمة في ناساوهافن ، جنوب روتردام. (تصوير زوزا نزاروق)

ومع ذلك، لا يمكن لأحد أن يعرف ما إذا كانت جهود التكيف كافية أم لا. على الرغم من أن التدابير الحالية والمخطط لها يجب أن تكون كافية حتى عام 2070 على الأقل، إلا أن الكثير من عدم اليقين بشأن تسارع وتزايد تغير المناخ لا يزال قائما، ويترك تساؤلات حول  ما إذا كانت المدينة ستبقى صالحة للعيش في المستقبل أم لا.

تؤكد بعض التقييمات أنه في حال ارتفع سطح البحر بمقدار 5 أمتار، وهو تقدير يلوح في الأفق في غضون قرن من الزمان، مع الأخذ في الاعتبار عدم القدرة على التنبؤ بمعدل ذوبان النهر الجليدي في غرينلاند والقارة القطبية الجنوبية، فلن يكون أمام سكان روتردام خيار آخر سوى الانتقال.

لماذا إذن تستثمر البلاد كل هذا القدر من المال في الحفاظ على المدينة؟ الجواب المختصر هو المال.

ساهمت زويد هولاند، وهي المقاطعة الهولندية التي تقع داخلها روتردام، بأكثر من 21٪ من الدخل القومي لهولندا في عام 2021.

ساهم ميناء روتردام وحده بنسبة 3٪ في الناتج المحلي الإجمالي الوطني في عام 2019. وبالتالي، فإن حماية هذه المنطقة تؤتي ثمارها.

إلى جانب ذلك، فإن التكلفة البشرية للتقاعس عن حماية المدينة مرتفعة للغاية، حيث تعد مقاطعة زويد هولاند موطنا لأكثر من أربعة ملايين شخص، لا يمكن إجلاء معظمهم لأن المناطق المنخفضة عميقة وكبيرة جدا.

يقول أبو طالب: “تقع أجزاء من المدينة على عمق ستة أمتار تحت مستوى سطح البحر. إذا تحطم السد لا يمكنني إجلاء أي شخص”.

 

اقرأ أيضًا.. من يدفع ثمن مواجهة الفيضانات وتغير المناخ في كراتشي الباكستانية؟ الفقراء طبعًا

الماضي الداعم

يعتبر فيضان عام 1953 مثالا مهمًا على وجهة نظر العمدة أبو طالب: حيث توفي 1800 شخص جرائه، لكن مقاطعة زويد هولاند نجت إلى حد كبير من الأضرار- وذلك بفضل الربان آري إيفغرور.

فعندما انكسر الحاجز المائي، مما كشف عن المنطقة المنخفضة التي يعيش فيها حوالي 3 ملايين شخص، أبحر إيفغرور بسفينته في الصدع وسد المياه الواردة.

تظهر هذه القصة الملهمة مدى ترويض الهولنديين للمياه، لكنها تؤكد أيضا على المخاطر التي تلوح في الأفق.

بعد عام من الفيضانات، أنشأت الحكومة الهولندية شركة دلتا ووركس، وهو مشروع للوقاية من الفيضانات استمر حتى عام 1997.

نظرا لمزيج الخسائر الكبيرة المحتملة في القيمة الاقتصادية الرئيسية وعدد الوفيات، تم تصنيف زويد هولاند على أنها “منطقة حواجز رئيسية”، حيث يجب أن تكون الدفاعات ضد الفيضانات أقوى بكثير مما هي عليه في أجزاء أخرى من هولندا.

وكان للدمار شبه الكامل الذي عانت منه روتردام من عدة عمليات قصف خلال الحرب العالمية الثانية فائدة واحدة، إن جاز القول، حيث سمح لمخططي المدن بدمج دفاعات الفيضانات في جهود إعادة الإعمار.

خريطة لمشاريع البناء كجزء من أعمال دلتا ، كما رأينا في Keringhuis.

بصرف النظر عن أعمال برنامج أو مشروع دلتا، فإن هولندا مغطاة بـ 3700 كيلومتر من الحواجز المائية والسدود وحواجز عرامات العواصف، دون احتساب محطات الضخ أو المجاري أو الحواجز الطبيعية، ويقع معظمها في المقاطعات الجنوبية من زويد هولاند، حيث تقع مدينتي روتردام، وزيلاند.

إذا تم تجميع الحواجز المائية الهولندية في خط مستقيم، فإنها ستصل إلى أيسلندا وتعود تقريبا.

واليوم، فإن كل منطقة في روتردام تحت مستوى سطح البحر محمية بحاجز دفاعي أساسي. حيث تعزز الحواجز الإضافية مواقع القنوات والأنهار داخل منطقة الحواجز الداخلية.

ارتفاع الأرض فوق مستوى سطح البحر في روتردام. المصدر: Leven Met Water

 

تعتبر مواقف الناس هي أفضل مقياس لنجاح سياسة الفيضانات في البلاد، حيث لا يتعامل الهولنديون مع فيضانات هولندا باعتبارها ظاهرة طبيعية، مفترضين دائمًا أنهم في حماية منها بطريقة أو بأخرى.

تستمر الحياة في المدينة بغض النظر عن مستويات المياه: يمر سائقو الدراجات النارية بجوار مطاعم الوجبات السريعة، وتستمر محلات البقالة الصغيرة، ومحلات السيراميك المصممة، وصانعي الأحذية والمتاجر ذات الملابس التقليدية، وحانات روتردام القديمة، في العمل.

يزداد التنوع مع المسافة من وسط المدينة التي أصبحت الآن موطنًا للمتاجر متعددة الجنسيات.

تواصل روتردام جني الفوائد اعتمادا على كونها منطقة حماية رئيسية، استفادت من التركيز المستمر منذ 70 عامًا على  حمايتها  من خطر الفيضانات، فالكثير من البنية التحتية المقاومة للفيضانات في المدينة موجودة من فترة طويلة، مما يساعد مخططي المدينة على التفرغ للصيانة والإنشاءات الإضافية.

تستمر السلطة المشرفة على أعمال برنامج دلتا ، في مراقبة الوضع المناخي المتغير وإصدار تحديثات سنوية.

تظل التكاليف ملحوظة حيث تمول الإجراءات  من صندوق دلتا، وهي ميزانية منفصلة عن الميزانية الحكومية المركزية.

حتى الآن، تم تخصيص ما متوسطه 1.25 مليار يورو سنويًا حتى عام 2032، مقسمة بين الاستثمار في تدابير جديدة (55٪) والصيانة (45٪)).

يقدر البرنامج   أن تنفيذ التوصيات حتى عام 2050 سيكلف الدولة ما بين 1.2 إلى 1.6 مليار يورو سنويًا، ومن 0.9 إلى 1.5 مليار يورو سنويًا بين 2050 – 2100.

 

إبعاد المياه

تخضع السدود لفحوصات منتظمة لمعرفة ما إذا كانت صيانتها تتوافق مع المعايير أم لا.

من الصعب أن ترى العين غير المدربة السد الموجود في بقعة معينة، لأن السدود تمتزج في المشهد الحضري.

العديد منها عبارة عن طرق، وبعضها يحتوي على حدائق مبنية في الأعلى.

في داكبارك، حديقة السدود في روتردام الغربية، تحتاج السلطات إلى التحكم في عدد الأرانب الموجودة بالحديقة حيث تخترق جحورها أساسات السد.

تقع مسؤولية صيانة السد على عاتق الهيكل الهولندي الفريد:  الألواح المائية  (waterchappen) التي يعود تاريخها إلى بدايات البلاد عندما كانت بديلًا لأنظمة المياه التي تم إنشاؤها حديثًا.

اليوم، تعمل الألواح المائية مع البلديات وشركات مرافق المياه في صيانة السدود، حيث يوجد في روتردام ثلاث ألواح مائية، مقسمة بواقع واحدة لكل حوض مائي.

أوضح يورغن بالز، مدير منطقة روتردام في مجلس المياه والذي يدير شمال وشرق ومركز المدينة: “في روتردام، تتوافق السدود مع المعايير، نحن نراقب ارتفاع مستوى سطح البحر ونضع خططًا لتقوية السدود إذا  لم تلبي المتطلبات المستقبلية حتى 2050، إنه إجراء عادي كل ست سنوات “.

تعد المناظر الطبيعية في المدينة منظمة للغاية، ليس فقط في القنوات والحدائق التي يتم صيانتها بشكل مثالي، بل في المدينة بأكملها، نظرًا لأهمية ذلك في الحفاظ على سلامتها.

تعتبر الكتابة على الجدران غير قانونية باستثناء الأماكن المخصصة لذلك، مما يحول جدران المدينة إلى جداريات، مبهرة من الناحية الجمالية ولكن بدون حافة.

فقط عند النظر من نوافذ المترو في الأنفاق المظلمة، يمكن للراكب أن يكتشف الاضطرابات البصرية.

تقع أي مساحة خارج السد على ارتفاع 3 أمتار على الأقل فوق مستوى سطح البحر.

يوجد في روتردام  أكبر  عدد من السكان الذين يعيشون ويعملون خارج السدود على الصعيد الوطني.

تعكس مناطق السد الخارجي توزيع الثروة المتكافئ إلى حد ما في المدينة.

على الرغم من أن بعض أجزاء المدينة التي يسكنها البيض كانت ولا تزال تقليديًا أكثر ثراءً، إلا أن روتردام لا تفصل بين الأغنياء والفقراء.

يعزز التدفق السنوي للطلاب الدوليين، الذين يستوعبون كل ما يواجههم، من المساواة بين سكان المدينة.
بالمثل، فإن مناطق السدود الخارجية هي مزيج من الأحياء الغنية والفقيرة. خضع بعضها لتطور مكثف، مما يعكس ثقة المدينة في أنظمة الحماية من الفيضانات.

على سبيل المثال، أصبحت منطقة Kop Van Zuid مليئة بناطحات السحاب، واستضافت العديد من الشركات متعددة الجنسيات، في غضون بضع سنوات.

 

حماية عائمة

ومع ذلك ، فإن السدود ليست سوى الجزء الأول من نظام الوقاية من الفيضانات في روتردام. يضمن مديرو المياه أن البحر لا يدخل الساحل أكثر من اللازم، حيث عكفوا على تعزيز الشواطئ بالرمال المستخرجة من بحر الشمال منذ عام 1990.

يتوقع برنامج دلتا أن تعمل التغذية الشاطئية حتى نهاية القرن على الأقل، بالنظر إلى كمية الرمال التي لا يزال قاع البحر يحتفظ بها.

ومن المرجح أن يكلف المشروع ما بين 0.1 و0.3 مليار يورو سنويا حتى عام 2100.

Delfland Sand Engine ، شمال روتردام ، هو شاطئ اصطناعي تم إنشاؤه باستخدام 20 مليون متر مكعب من الرمال من بحر الشمال. (تصوير زوزا نزاروق)

أخيرًا ، إذا ارتفع المد البحري بشكل كبير جدًا، يمكن لوزارة البنية التحتية وإدارة المياه (Rijkswaterstaat)  إغلاق نهر ميوز لمنع الأمواج من دخول روتردام.

حاجز ميسلانت، الذي تم تشييده خلال أعمال دلتا مقابل نصف مليار يورو تقريبًا، هو عبارة عن حاجز متحرك لموجة العواصف، بطول 420 مترًا يقع مباشرة قبل وصول نهر ميوز إلى بحر الشمال. يظل مفتوحًا للسماح بالشحن إلى ميناء روتردام.

يراقب نظام كمبيوتر باستمرار ارتفاع المياه في وسط مدينة روتردام،  إذا ارتفع المد إلى 3 أمتار، يغلق الحاجز.

حاجز ميسلانت هو اللؤلؤة في تاج التكيف مع المناخ في روتردام. وتزور الوفود الأجنبية بانتظام مؤسسة كيرينغويس Keringhuis ، وهي مؤسسة تعليمية تقع بجانب الحاجز، حيث يوجد معرض صغير مخصص للهدايا التي يجلبونها.

أوضح جيروين كرامر، مسؤول الاتصالات في Keringhuis: “كلما وقعت كارثة طبيعية في بلد ما، نستقبل وفد من هذه البلد في الأسبوع التالي”.

ميسلانتكيرينج

ويبدو أن الحاجز مدروس تماما. ويثير الإغلاق أثناء هطول الأمطار الغزيرة مخاوف من ظاهرة “تأثير الوعاء”: فزيادة تصريف النهر لا يمكن تفريغها في البحر وستغمر المدينة بالمياه القادمة من النهر على أي حال.

يوضح كريمر أن نسبة وقوع هذا الخطر منخفضة للغاية، حيث يمكن أن يفتح الحاجز أثناء انخفاض المد لإطلاق تصريف النهر.

وإذا فرضت العاصفة إغلاقا أطول- 24 أو 30 ساعة- يمكن للمهندسين ضخ التفريغ الزائد من بحيرة ماس وتخزينه في بحيرة فولكيراك. فالسدود حول البحيرة معززة.

لا يشغل سكان روتردامرز العاديون أنفسهم بالحاجز، وربما لا يعرفون حتى أنه موجود.

هم مشغولون أكثر بالاستمتاع بحياتهم في المدينة، يرتدون ملابس أنيقة وكعب عال ثم يركبون دراجاتهم للعمل، ويتجولون في الشوارع ببيجامات في أيام الكسل، ويتسكعون في أماكن تختلف حسب الثقافة: الزوايا والمقاهي، أمام منازلهم أو متاجرهم.

ومع ذلك، فإن قلة قليلة من البلدان، خاصة في جنوب الكرة الأرضية، يمكنها توفير حماية مماثلة.  استمر بناء الحاجز من عام 1991 إلى عام 1997 وبلغت تكلفته 450 مليون يورو (حوالي  738 مليون يورو اليوم)، وهي قيمة قريبة من 0.105٪ من الناتج المحلي الإجمالي الهولندي في عام 1997.

على سبيل المثال، تشكل هذه التكاليف 1.1٪ من الناتج المحلي الإجمالي لبنغلاديش في عام 1997. وفي العام نفسه، أنفقت بنغلاديش 4.9 ٪ من ناتجها المحلي الإجمالي على جميع النفقات الحكومية (الخدمات، والسلع، ورواتب الموظفين).

يمكن لحاجز ميسلانت حماية روتردام من العواصف على الأقل حتى عام 2070. القضية الرئيسية في الحاجز ليست ارتفاعه ولكن ما إذا كان بإمكانه تحمل الإغلاق في كثير من الأحيان. وحتى الآن، لم يصل المد والجزر أبدا إلى 3 أمتار في روتردام، ولم يغلق الحاجز إلا للاختبار.

ومع ذلك ، يقدر الخبراء أن ارتفاع مستوى سطح البحر البالغ 85 سم – أي 65 سم من الآن – سيؤدي إلى إغلاق الحاجز سنويا.

 

التحديات الستة الكبار في التكيف مع المناخ

 

إن تغير المناخ ليس ارتفاعا في مستوى سطح البحر وحده، وروتردام تعرف ذلك جيدا. يحدد البرنامج البلدي للتكيف مع المناخ، (Rotterdam WeatherWise Rotterdams Weerwoord)، خمسة تحديات مناخية رئيسية أخرى تواجهها المدينة: هطول الأمطار والمياه الجوفية وهبوط الأراضي والجفاف والحرارة.

تقود المدينة جهدا لحماية المدينة من مناخها، في محاولة لتنشيط مختلف المجموعات المجتمعية، من جمعيات الإسكان ومؤسسات المواطنين إلى أصحاب المنازل الخاصة، للتعاون حول الطريقة الهولندية لصنع السياسات.

من خلال البرنامج  تستعد المدينة لتحسين العديد من الجوانب، وليس فقط المناخية، في وقت واحد.

أوضح تيم دي ويل، مستشار المياه والمشاركة والتكيف مع المناخ في مدينة روتردام: “نحن لا نركز فقط على التكيف مع المناخ ولكن نحاول أولا فهم ما هو مهم للناس”.

وأضاف: “إذا أراد المواطنون ملعبا جديدا، على سبيل المثال، يمكننا أن نجعله أكثر خضرة، وقدرة على تخزين المياه، وخلق الظل”.

وتابع: “في كثير من الأحيان، يبحث الناس عن الراحة والمتعة، إنهم يخضرون حدائقهم، على سبيل المثال، لأنهم يريدون مقابلة بعضهم البعض. وإذا كان الإجراء الذي نتخذه يتعلق بالتكيف مع المناخ فقط، فأن الكثير منهم لن يهتم، ولكن إذا شرحت لهم أنك تحاول أن تجعل حياتهم أكثر راحة ومتعة من خلال هذا الإجراء، فإن العديد من الأشخاص سيشاركون في ذلك”.

تقع هذه البراغماتية العملية في صميم جهود روتردام للتكيف مع المناخ، مما يجعلها ليس فقط أكثر كفاءة بل وأكثر ربحية أيضا.

تعتمد وصفة التكيف الخاصة بـ روتردام على حماية المدينة من خلال الاتصال بما يهتم به الناس.

قالت روزماري فان هام ، مؤسسة العمل المناخي الشامل في روتردام (ICAR): “نحن محظوظون جدا لأن لدينا الكثير من الخبرة التقنية والكثير من بيانات الأقمار الصناعية التي نستخدمها”.

وأضافت: “من خلال جمع المواطنين والمنظمات الخاصة وجمعيات الإسكان والمنظمات الاجتماعية والإدارات المختلفة للبلدية، تخلق مؤسسة ICAR مساحة للتركيز أكثر على الجوانب الاجتماعية إلى جانب الجوانب التقنية لإنشاء سياسة مناخية عادلة.”

في عام 2020، خصصت روتردام 3.5 مليار يورو للتكيف مع المناخ، منها 76 مليون يورو لإدارة المياه و 2.5 مليون يورو لبرنامج روتردام ويذروايز.

عندما تعمل الحلول بشكل جيد للغاية

إن استعداد روتردام للتعامل مع المياه يأتي أحيانا بنتائج عكسية. تتعامل المدينة مع المياه الجوفية الزائدة منذ عقود.

أصبح ضخ المياه لمنع الحدائق الرطبة والأقبية المغمورة بالمياه هو القاعدة. ومع ذلك، فإن هذه القاعدة تثبت الآن أنها إشكالية.

أجزاء من روتردام، وخاصة روتردام الشمالية، مبنية على مستنقع، مما يعني أن الأرض تحتها تغرق.

تكشف الأرض الغارقة جنبًا إلى جنب مع  مستويات المياه الجوفية المنخفضة  أثناء فترات الجفاف المتكررة بشكل متزايد،  أعمدة الأساس الخشبية، والتي من المفترض أن تبقى دائمًا تحت الماء.

العديد من منازل روتردام التي بنيت  قبل  عام 1980 لها مثل هذه الأساسات، عندما يتلامس الخشب مع الهواء، يبدأ في  التعفن . من السهل تحديد المشكلة من الخارج، حيث تظهر شقوق على الحائط أو لا يمكن إغلاق الأبواب بشكل صحيح بعد ظهورها.

أوضح بيت فولارد ، المهندس المعماري والمؤسس المشارك في مبادرة المشاعات الحضرية City in the Making: “تقريبا جميع الأساسات في منطقة Oude Noorden تحطمت، ومع هطول الأمطار الغزيرة، لا تستطيع هذه المناطق المنخفضة التأقلم”.

هذه القضية خطيرة حيث أن 30 ألف منزل- حوالي ربع روتردام- معرضة لخطر ومشاكل في  الأساسات، والمساكن تزداد ندرة.

 

النقص في المساكن

تبحث المدينة عن طرق للجمع بين التنمية الحضرية والتكيف مع المناخ. ففي عام 2021، أصدرت البلدية توجيهًا يقضي بأن كل مبنى جديد في روتردام يجب أن يخزن ما لا يقل عن 50 ملم من مياه الأمطار لكل متر مربع.

يعد الاستخدام الفعال للفضاء أمرًا أساسيًا في الوقت الذي تكافح فيه روتردام مشكلة نقص المساكن جنبًا إلى جنب مع أزمة المناخ.

يبلغ عدد  سكان المدينة  655468  نسمة في ديسمبر 2021، قد تبدو روتردام صغيرة، لكن المدينة تواجه ندرة حادة في المنازل.

يرجع جزء كبير من النقص إلى  أزمة الإسكان التي تجتاح المدن الهولندية الكبرى، ما يُسمح للمستثمرين العقاريين بإملاء الأسعار كما يحلو لهم، ما يؤدي بدوره إلى  ارتفاعها .

يجعل النقص في المساكن أجندة المناخ في المدينة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. ومع ندرة الأراضي، تزداد التطورات في المناطق المعرضة للفيضانات.

في القرن الماضي، تضاعفت المناطق الحضرية في الأجزاء المعرضة للفيضانات في هولندا ستة أضعاف  ، مما أدى إلى زيادة كبيرة في الأضرار الناجمة عن الفيضانات.

بحلول عام 2100، ستزيد المناطق الحضرية في المناطق المعرضة للفيضانات بنسبة تصل إلى 125٪ مقارنة بمستويات 2000.

بحلول عام 2040، سيكون الضرر الاقتصادي في حالة حدوث فيضان أعلى بنسبة 250٪ مما كان عليه في عام 2000.

وبينما تتزايد أيضًا قدرة البلاد على التعامل مع الفيضانات، فإن التطورات الجارية تعني أن أي خطأ في التخطيط للحماية عن الفيضانات سيتسبب في المزيد والمزيد من التكلفة.

وأوضح بالز أنه من أجل زيادة السدود، فإنها تحتاج أيضًا إلى التوسيع، مما قد يزيد الضغط على المناطق الحضرية النادرة بالفعل.

إلى جانب ذلك، في حين أنه من الناحية النظرية، من الممكن زيادة وتوسيع السدود بشكل كبير، فإن المنطقة المنخفضة خلف السد تزداد عمقًا، مما يسمح بعدم حدوث أخطاء.

إذا انكسر مثل هذا السد، فسيكشف عن منطقة منخفضة للغاية عبر مساحات شاسعة من الأرض بحيث يتعذر على السكان إخلائها. ستصبح المنطقة بشكل أساسي كالبئر، كما يتندر سكان روتردام.


التكيف مع المناخ برعاية الوقود الأحفوري

رغم كل النجاحات التي حققتها المدينة، هناك مفارقة في جهود التكيف في روتردام.

يعتبر ميناء روتردام مصدرًا مهمًا لتوظيف سكان روتردام: وفقًا لأبو طالب، يعمل هناك أكثر من 150.000 شخص.

كما أنه مصدر مهم للأموال البلدية والحكومية حيث تمتلك  مدينة روتردام  70٪ من أسهم الميناء، فيما تعود نسبة 30٪ المتبقية للحكومة الوطنية. في عام 2015، تلقت المدينة 63.2 مليون يورو كأرباح.

يحتوي المرفأ على خمس مصافي نفط ومحطة طاقة كبيرة تعمل بالفحم.  جميها  مسؤولة  عن 20٪ من إجمالي الهولنديين، و 90٪ من انبعاثات روتردام.

هذا كثير في بلد بلغ فيه نصيب الفرد من الانبعاثات  8.06  طنًا في عام 2020، أي ما يقرب من 13 مرة أعلى من بنغلاديش أو نيجيريا.

على الرغم من تحديد أهداف مناخية طموحة، تواجه الحكومة الهولندية صعوبة في الوفاء بوعودها.

في عام 2021، أظهرت  وكالة التقييم البيئي الهولندية  أن الدولة لن تحقق هدفها المتمثل في خفض غازات الاحتباس الحراري بنسبة 49٪ بحلول عام 2030.

أبرز عالم المناخ بيتر سيجموند أنه على الرغم من أنه لا يمكن الآن إيقاف ارتفاع مستوى سطح البحرالمتوقع  في المستقبل، إلا أن الارتفاع النهائي سيعتمد على كمية ثاني أكسيد الكربون التي سنستمر في إطلاقها.

تؤثر الانبعاثات على سرعة ذوبان الجليد في القارة القطبية الجنوبية وجرينلاند.

يخلص  االمعهد الملكي الهولندي للأرصاد الجوية (KNMI) في أحدث إشارة مناخية له تتضمن أحدث تنبؤات ارتفاع مستوى سطح البحر في البلاد إلى أنه: “على المدى الطويل، يصبح الاختلاف في ارتفاع مستوى سطح البحر بين عدم القيام بأي شيء بشأن انبعاثات غازات الاحتباس الحراري والامتثال لاتفاقية باريس للمناخ كبيرًا للغاية”.

 

By Zuza Nazaruk

Edited by Tina Lee

Illustration by Walker Gawande

This story was published by our partner Unbias the News. It is part of the Sinking Cities Project, which covers six cities’ responses to sea-level rise.

The investigation was developed with the support of Journalismfund.eu, European Cultural Foundation and the German Postcode Lottery.

تابعنا على نبض

قد يعجبك ايضا
اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.