بث تجريبي
منصة رقمية متخصصة بقضايا التغير المناخي في مصر والشرق الأوسط

تغير المناخ يهدد عطرك المفضل.. ضربة قوية لصناعة الروائح العالمية بسبب الجفاف

خلال أوقات الحصاد، تعم رائحة الورود ومسك الروم والياسمين في بلدة جراس الفرنسية، العاصمة العالمية لصناعة العطور، والتي اشتهرت في المخيال الثقافي المعاصر بكونها فضاء مكانيا لأحداث رواية العطر لباتريك زوسكيند.

لكن الاحترار العالمي لم يترك شيئًا على حاله، وأصبح تغير المناخ يهدد التل الصغير على شاطئ الريفيرا الفرنسي، الذي يعد أحد أهم مراكز العطور الحديثة، وأقدم مصادر الزهور المستخدمة في التصنيع داخل الشركات والبيوت العالمية مثل شانيل وديور.

جامعي الياسمين في دومين دي مانون بالقرب من جراس. المصور: أندريا مانتوفاني لـ Bloomberg Green

تغير المناخ يهدد زهور جراس

تباع زهور بلدة جراس، وخاصة الياسمين، بسعر أعلى من الذهب، وعلى الرغم من أنها تساهم في الصناعة العالمية بنسب ضئيلة، إلا أن جودتها تجعل المنطقة مصدرًا مهمًا للعطور الراقية.

في 2022، تلقت جراس ضربة قوية بعدما واجهت المدينة والمنطقة، إلى جانب جزء كبير من أوروبا الغربية، جفافا شديدا، مما أدى إلى فقدان مساحات كبيرة من محاصيل الزهور.

تقول كارول بيانكالانا، التي تزرع مسك الروم والورد والياسمين حصريا لصالح شركة ديور، إن محصولها من مسك الروم كان أقل بنسبة 40٪ من العام الماضي.

شهد المزارعون في جميع أنحاء المنطقة الأوسع انخفاضا في محصول الزهور بنسبة تصل إلى النصف، وفقا لعمدة جراس البالغ من العمر 45 عاما، جيروم فيود.

قال فيود لوكالة بلومبرج الأمريكية في مقابلة من داخل مكتبه: “لقد واجهنا جفافا صعبا للغاية على مدى فترة طويلة جدا”.

خلال فصل الصيف، فرضت الحكومة الفرنسية قيودًا على مياه الري في البلدة لأول مرة، مما أجبر المزارعين على الري ليلا وبمياه أقل.

طلب فيود من الحكومة الفرنسية إعلان حالة الطوارئ بسبب الكارثة الطبيعية، والتي من شأنها أن تخول أولئك الذين لديهم سبل عيش على المحك الحصول على تعويض بآلاف اليورو.

لم تصدر الحكومة مثل هذا الإعلان بعد، لكن وزارة الزراعة الفرنسية قالت في أغسطس إنها ستوفر تدابير عامة للدعم الزراعي.

قال فيود: “الحقيقة هي أن الوضع سيء للغاية لدرجة أنه يتجاوز التصنيف الكلاسيكي”.

جراس ليست وحدها، حيث يهدد تغير المناخ عدة مدن وبلدات اشتهرت طوال سنوات بزراعة الزهور المستخدمة في صناعة العطور، ما يهدد بدوره مستقبل العطور كما نعرفها.

تناقش شركات صناعة العطور، والتي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، إمكانات استخدام البدائل الاصطناعية، التي يسهل شراؤها والتحكم فيها عبر استغلال براءات الاختراع، لتجنب تأثيرات الاحتباس الحراري على الصناعة.

يتسبب الجفاف والمواسم المتغيرة والتطرف المتكرر للصقيع والمطر والبرد ودرجات الحرارة المرتفعة في تغيير ات تتعلق بكمية المحاصيل وجودة المكونات، وحتى مقدار الرائحة التي تنتجها النباتات المختلفة.

مع استمرار هذه التأثيرات، قد يحتاج كل شيء في عملية صناعة العطور إلى إعادة التفكير، وآليات جديدة تناسب التغيرات التي يسببها الاحترار العالمي.

نظام ري بالتنقيط موفر للمياه في حقل الياسمين في جراس المصور: أندريا مانتوفاني لـ Bloomberg Green

اقرأ أيضًا.. تعرف على أكثر 10 دول بالعالم تضررًا من تغير المناخ بينهم دولتان عربيتان

استشعار تغير المناخ

بالنسبة لبيوت العطور العالمية مثل شانيل وديور، فإن رشاقة وتناسق وانسجام الرائحة العطرية أمر حتمي، وهذا ما يجعل صانعي العطور، وهم من أكثر “الأنوف” انسجاما في العالم، مهتمون جدا بمصادر المكونات المستخدمة في الصناعة.

يصنع عطر شانيل 5 الشهير باستخدام الياسمين من بلدة جراس، منذ أن شرعت كوكو شانيل في إطلاق العطر لأول مرة في عام 1921.

في ديور، تستخدم عطور مثل J’adore L’Or و Jasmin des Anges أيضا ياسمين جراس، الذي يقول عنه خبير العطور فرانسيس كوركدجيان إنه “يشبه بقوة الزهور الطازجة”.

تتمتع جراس بموقع جيد، في منطقة جبلية على مسافة مناسبة من البحر الأبيض المتوسط، حيث التربة عالية الجودة والمناخ المحلي الرقيق، ما يجعلها قادرة على إنتاج أزهار استثنائية.

تقول إليز فيرنون بيرلستين، مؤلفة كتاب Scent: A Natural History of Fragrance: “أحب أن أفكر في الياسمين والورود والخزامى كما يفعل متذوقي النبيذ مع terroir، وهو مصطلح فرنسي يستخدم لوصف العوامل البيئية التي تؤثر على النمط الظاهري للمحصول، فالطقس والتربة والارتفاع في جراس، كلها أمور تحدث فرقا في رائحة الياسمين.”.

تجبر الأحداث الجوية المفاجئة والدراماتيكية المزارعين الآن على التكيف بسرعة مع التغيرات الواقعة.

في مزرعتها في جراس، تستخدم بيانكالانا الري بالتنقيط للاستجابة لقيود المياه في السنوات الأخيرة، وقد أدخلت حشرات مفترسة جديدة لمكافحة النظام البيئي المتغير للآفات. لكن من الصعب مواكبة المواسم التي لا يمكن التنبؤ بها بشكل متزايد.

وتقول: “لقد تسارع التغيير على مدى السنوات القليلة الماضية، مع فترات من التجمد في وقت لاحق وفي كثير من الأحيان في الربيع”.

زهور الياسمين المزروعة لديور في مزرعة زهور كارول بيانكالانا ، دومين دي مانون ، بالقرب من جراس. المصور: أندريا مانتوفاني لـ Bloomberg Green

 

تغير المناخ يهدد أماكن أخرى

في جيفودان، أحد أكبر بيوت العطور في العالم، ومقرها سويسرا، هناك قلق خاص بشأن نبات الباتشولي، وهو عضو مورق في عائلة النعناع.

يأتي حوالي 80٪ من نبات الباتشولي من جزيرة سولاويزي الاستوائية في إندونيسيا، والتي واجهت في السنوات الأخيرة تطرفا مفاجئا ومتقطعا من الطقس الجاف والرطب.

يقول تشي بينغ لي، رئيس مصادر جيفودان لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ: “مع فترات الجفاف الرطب غير المنتظمة في عامي 2020 و 2021، تم تخفيض معدل بقاء النبات وعائد التقطير”.

هناك أيضا علامات على أن الاحترار العالمي قد يؤثر على جودة المكونات، حيث يقول ألون كنعاني، باحث ما بعد الدكتوراه في جامعة كوبنهاجن والمؤلف المشارك لورقة نادرة حول هذا الموضوع، إن هناك “أدلة قوية تشير إلى أن تغير المناخ وارتفاع درجة الحرارة سيؤثر على عطريات النباتات”.

وجد كنعاني أن التركيب الجيني للزهور- الآلية التي تنتج المركبات العطرية التي نتعرف من خلالها على نوعيتها سواء “فاكهية” أو “زهرية”- يتناقص مع ارتفاع درجات الحرارة.

وبالمثل، في إيطاليا، اكتشف العلماء “علاقة واضحة” بين انخفاض إنتاج زيت البرجموت والظروف القاسية مثل موجات الحرارة والجفاف.

يأتي أكثر من 95٪ من الإنتاج العالمي من زيت البرجموت الأساسي المعصور على البارد من كالابريا في جنوب إيطاليا، حيث يزداد المناخ سخونة وجفافا بشكل تدريجي.

البرجموت

اقرأ أيضًا.. كيف نروي قصة عن التغيرات المناخية للأطفال؟ 3 حكايات عن الفيضان والجليد والجفاف

عطور المستقبل

منذ أواخر القرن التاسع عشر، بدأت صناعة العطور تتجه نحو المختبرات، لتكرار أو إنتاج روائح اصطناعية جديدة، وهو اتجاه يمكن أن يسرعه ما يحدث الآن بسبب تغير المناخ.

نظرا لأن الظروف في حقول الزهور أصبحت أقل قابلية للتنبؤ بها، ما يجعل أسعارها تتأثر بشكل كبير، يمكن للمركبات الاصطناعية المنتجة في بيئات خاضعة للرقابة أن توفر بديلا أرخص وأكثر موثوقية لأولئك الذين يبحثون عن رائحة رشيقة ومتناسقة، وخلاصة ثابتة.

تأتي المواد التركيبية مع التحديات البيئية الخاصة بها، والعديد منها عبارة عن منتجات ثانوية من البترول أو الورق واللب، وهي مصادر سامة وملوثة ويصعب التخلص منها بأمان. لكن الابتكارات في “الكيمياء الخضراء” آخذة في التزايد لمعالجة هذه المشاكل.

تقول سارة مكارتني، مؤسسة وصانعة العطور في Tuesdays ومقرها لندن: “إذا كنت تريد عطرًا رشيقًا ومتناسقًا، فمن الأفضل أن تبحث عن مورد أخلاقي لطيف للمواد الكيميائية العطرية”.

تعطي مكارتني مثالا على عطر Ambrettolide HC من Stort Chemicals، وهي رائحة مسكية.

عادة ما يأتي عطر Ambrettolide الاصطناعي من روث خنافس البحيرة في الهند، وبعد أن أثر تغير المناخ بشدة على خنافس البحيرة بالهند، وهو ما أكدته دراسات متعددة، أصبح هناك حالة من عدم اليقين في الأسعار والعرض دفع الشركة إلى التوصل إلى بديل نباتي وقابل للتحلل الحيوي ومصنوع من السكر المخمر.

تتطلع بيوت العطور الكبيرة أيضا إلى التكنولوجيا الحيوية لتربية أنواع نباتية أكثر مقاومة للمناخ.

تعمل بيوت مثل جيفودان وفيرمينيش على تجربة المزارع العمودية، حيث يمكن أن تساعد البيئات الاصطناعية الخاضعة للرقابة في الحفاظ على أنواع معينة أو إنتاج أنواع جديدة.

أعلنت إحدى المزارع العمودية المدعومة من فيرمينيش وجانجل، عن مكون جديد تم تطويره من زهور Lily of the Valley العام الماضي، ولديها العشرات من نباتات العطور الأخرى قيد التطوير.

توضع أزهار مسك الروم الطازجة في آلة للمعالجة في مصنع روبرتت في جراس. المصور: أندريا مانتوفاني لـ Bloomberg Green

الطبيعي يكسب

لكن أصحاب الاتجاه التقليدي في صناعة العطور متشككون من هذه التجارب، حيث تقول بيرلستين إن التجارب المعملية لن تتطابق أبدا مع العالم الطبيعي.

وتضيف: “الزهور هي أساس صناعة العطور، الياسمين أو الورد بداخلهم مصنع كيميائي طبيعي صغير يمزج الروائح بشكل صحيح تماما، لا يمكن للناس والمعامل فعل ذلك، لن تشم نفس الرائحة من البدائل الاصطناعية”.

ومع ذلك، فإن الضرر الذي يلحقه تغير المناخ بالروائح الطبيعية- من الكمية إلى الجودة- يتطلب اتخاذ إجراء.

بالنسبة لجراس فيود، فإن هذا يعني مضاعفة القيمة، والاعتراف بأهمية المكونات الطبيعية للعطور والوظائف والاقتصادات المحلية، ووضع الأموال وتدابير الدعم وراء ذلك.

يعمل فيود جنبا إلى جنب مع مجموعة من رؤساء البلديات من مدن العطور الأخرى في جميع أنحاء أوروبا، على إقناع صانعي السياسة الأوروبيين بالقيام بذلك.

يقول: “نحن نتطلع إلى الدفاع عن تقاليدنا وتاريخنا وثقافتنا عبر معالجة نباتات الزهور والمنتجات الطبيعية، بجانب أنه من الناحية السياسية والاقتصادية، هناك عوامل تتعلق بالزراعة وسلاسل التوريد والتوظيف والطبيعة وانتقال الطاقة، تجعلنا على المحك.”.

تابعنا على نبض

قد يعجبك ايضا
اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.