منصة رقمية متخصصة بقضايا تغير المناخ في الشرق الأوسط

مياه الصرف الصحي تهدد بانهيار الأهرامات وأبو الهول والمنطقة الأثرية بالكامل “تحقيق”

فى مساء إحدى الليالى الباردة من فبراير من العام 1988 كان «جون. ف»- أمريكي الجنسية- ينهى زيارته الأخيرة لمنطقة الأهرامات الأثرية بوقفة صامتة طويلة أمام تمثال أبو الهول متأملاً إياه في انبهار، ومستغرقًا في تفاصيله باهتمام شديد، وبينما يرفع جون كاميرته الحديثة- آنذاك- ليلتقط صورة لأبى الهول، وكأنه يودعه وداعًا أخيرًا، لاحظ أن أحد خفراء المنطقة يراقبه فى صمت وكأنه يريد أن يتجاذب معه أطراف الحديث لسبب ما.

أشار جون للخفير فأتى على الفور، وبدأ بينهما حوار ساخن استمر لدقائق حتى ألقى الخفير قنبلته فى نهاية الحوار مبلغًا جون أن أجزاء من كتف أبو الهول سقطت قبل أيام.

اتسعت عين الأمريكي في فزع، وألح على الخفير أن يرشده لمكان الجزء المنهار من التمثال، ووافق الخفير.
رفع الأمريكي كاميرته ووثق الانهيار، ووثق أيضًا شهادة الخفير حول سقوط الحجر من جسد التمثال الأثرى.

فى اليوم التالى وصل السائح الأمريكى لمقر مديرية أمن الجيزة ومعه شريط فيديو يكشف كارثة سقوط حجر من جسد أبو الهول، وسلمه لقيادات المديرية التى أبلغت بدورها القيادات الأعلى درجة، حتى وصل الأمر لأعلى مستوى فى البلاد وقتها.

قلبت الكارثة الأوضاع رأسًا على عقب، وبعد أيام صدر قرار حكومى بإقالة الدكتور أحمد قدرى رئيس هيئة الآثار وقتها من منصبه وتعيين الدكتور سيد توفيق الذى أعلن بمجرد توليه المنصب حالة الطوارئ داخل هيئة الآثار، وأمر بتشكيل لجنة دولية للوقوف على حقيقة الأمر.

بعد شهور من العمل وجدت اللجنة أن سبب الانهيار هو ارتفاع منسوب المياه أسفل تمثال أبو الهول، حيث رصدت الأجهزة وجود المياه على بعد أربعة أمتار وستين سنتيمترًا من قاعدة التمثال‏..وكان ذلك هو الإنذار الأول.

هضبة الأهرامات

لآلاف السنين لم تتأثر آثار منطقة الأهرامات بعوامل وظواهر الطبيعة، ولم يظهر أبدًا خلال أكثر من 4000 سنة ما يهددها بالانهيار، حتى بدأ الزحف العمرانى نحوها في سبعينيات القرن الماضي، لتطوقها المساكن من كل جانب، وتخنقها الكتل العمرانية المكتظة بالبشر، بل تجرأ الزحف ليقتحم حرم المنطقة الأثرية ويضخ فيها عبر عشرات السنين آلاف الأطنان من مياه الصرف الصحي، ليصيب المنطقة بمرض مزمن يهدد وجودها، بدأت أعراضه مع واقعة سقوط الحجر الضخم من تمثال «أبو الهول» سالفة الذكر، ثم تتابعت الوقائع، وانتقلت العدوى لعدد ليس بقليل من الآثار الأخرى التى تقع فى مناطق منخفضة من هضبة الأهرامات، الأمر الذى وصل لحد غرق بعض المعابد والقطع الأثرية بالهضبة فى برك من المياه.

تعتبر هضبة الأهرامات إحدى أهم المناطق السياحية في محافظة الجيزة، وتتبع إداريًا حي الهرم، وتبلغ مساحتها 3.19 كم، ووفقًا للموقع الرسمي لوزارة الآثار، تتكون الهضبة من طبقات من الحجر الجيري، وتعتبر جزءًا من تكوين هضبة المقطم التى يبلغ عمرها أكثر من 50 مليون سنة.

شيدت على هذه الهضبة ثلاث مجموعات هرمية لخوفو (بنيت ما بين 2480 و2550 ق. م) وخفرع ومنقرع، وفى الشرق من هرم خوفو يوجد أربعة أهرامات صغيرة، تمثل أهرامات الملكات ومقابر زوجات وشقيقات خوفو، كما يوجد جبانة ضخمة خصصت لمقابر أفراد الأسرة الملكية، وفى الجهة الغربية توجد جبانة مماثلة خصصت لدفن كبار رجال الدولة، وتضم هضبة الجيزة أيضًا تمثال «أبو الهول» العظيم وهو أقدم المنحوتات الضخمة المعروفة، كما تضم المنطقة أيضًا متحف مركب الشمس، وهو الموقع الذى تقام فيه عروض الصوت والضوء الشهيرة.

تقول وهيبة صالح كبير مفتشى آثار دهشور السابق: «منطقة الأهرامات تعانى من ارتفاع في منسوب المياه، والجميع داخل وزارة الآثار منذ سنوات على دراية بذلك، وتوجد أماكن داخل المنطقة الأثرية غارقة تمامًا في المياه، آخرها بئر دفن اسمها «الأوزيري» توجد جنوب الطريق الصاعد للهرم، وظهرت فيها المياه عام 2012 وهى مغلقة حاليًا لحين حل المشكلة».

«وهيبة» تقول إن ما لديها من معلومات يؤكد أن المياه الموجودة أسفل المنطقة الأثرية والتى ظهرت أكثر من مرة على السطح، هي مياه جوفية، وهذا يتفق مع ما ذكره أكثر من مرة العديد من خبراء الآثار، وعلى رأسهم زاهي حواس وزير الدولة الأسبق لشئون الآثار، عندما حذروا من خطورة المياه الجوفية أسفل المنطقة الأثرية، وكانت وزارة الآثار ترد دائمًا بأن منسوب المياه الجوفية أسفل المنطقة لم يتعد الحد الآمن لها.

اللافت أن الوزارة لم تضلل الرأى العام حينما قللت من خطورة المياه الجوفية على المنطقة، أو عندما أكدت أن منسوبها لم يتعد الحد الآمن، لكنها لم تقل سوى نصف الحقيقة، لأن المياه الموجودة أسفل المنطقة الأثرية ليست مياهًا جوفية فقط.

هذا الأمر يؤكده لنا د.محمد الجزار العالم الجيولوجى وعضو جمعية الجيولوجيين الأمريكية قائلًا: « الخطر الذي يواجه المنطقة الأثرية سببه ليس المياه الجوفية، كما أن المياه الموجودة أسفل المنطقة ليست مياه جوفية فقط، يوجد بالمنطقة أيضا مياه تحت السطحية بنسب عالية، وهى سبب الأزمة، وهى عبارة عن مياه موجودة فى مسام الطبقة العليا من التربة، نتيجة تسرب المياه من سطح الأرض إلى داخلها، وهى مياه حمضية فى الغالب بسبب اختلاطها بالصرف الصحي، أما المياه الجوفية فهى مياه نقية موجودة فى الطبقات العميقة من سطح الأرض ترسبت عبر آلاف السنين».

جوفية أم تحت سطحية؟

كان لا بدَّ أن نفصل علميًا فى طبيعة المياه الموجودة أسفل المنطقة الأثرية ومعرفة هل هي مياه جوفية كما يردد خبراء الآثار أم مياه تحت السطحية، وتأكدنا من ذلك بطريقتين: الأولى أننا ذهبنا لمنطقة الأهرامات الأثرية وأخذنا عينة من المياه – نحو لتر- التي تظهر في بئر الأوزيرى وغيرها من الأثريات بالمنطقة.

بئر الأوزيري الغارق

وساعدنا د.الجزار بما لديه من أجهزة فى معمله الخاص على تحليل العينة تحليلًا أوليًا، وهو كاف جدًا للفصل فى نوعية المياه.

وباستخدام جهازين الأول يحدد درجة ملوحة المياه، والآخر يكشف درجة تركيز الهيدروجين، تبين أن المياه المأخوذة من قلب المنطقة تزيد بها نسب الحديد والمنجنيز، وتوجد بها رواسب صفراء وعكار زائد عن المعدلات الطبيعية، وأن درجة تركيز الهيدروجين أقل من سبع درجات مما يعنى أن هذه المياه حمضية، أي أنها مياه تحت سطحية مخلوطة بأحماض نتجت عن مياه متسربة من الصرف الصحى وليست مياهًا جوفية.

الطريقة الثانية هى حزمة من المستندات توصلنا إليها وتؤكد أن الخطر الذى يهدد المنطقة هو خطر المياه تحت السطحية.

المستندات تخص منحة قدمها بنك التعمير الألمانى للحكومة المصرية عام 1985 لتقييم المياه الجوفية في محافظة الجيزة، وكانت الهيئة العامة لمرفق مياه القاهرة الكبرى هى الممثلة للحكومة المصرية في التعاقد بين الجانبين، بينما الطرف الثاني ضم كلًا من شركة “تراي كون” الدولية بمصر وشركة المقاولون العرب، وذلك لتنفيذ أعمال معينة لتحقيق نوعية وكمية المياه الجوفية المتوفرة كمصدر ممكن وطويل الأجل لمياه الشرب بمحافظة الجيزة، على أن يسدد البنك الألمانى المانح قيمة التعاقد والمصروفات -نيابة عن مرفق المياه- للشركات المذكورة والتي سوف تنفذ أعمال التحقيق حول المياه الجوفية.

 

التقرير النهائى الذى أصدرته لجنة التحقيق يؤكد أن المياه تحت السطحية قريبة جدًا من سطح الأرض في منطقة الأهرامات، وكانت – وقتها- على قرب ما بين 3 إلى 4 أمتار من سطح الأرض، بينما المياه الجوفية أسفل المنطقة الأثرية كانت على بعد نحو 30 مترًا.

أرفقت اللجنة تقريرها النهائى بخرائط تكشف بدقة أماكن المياه الجوفية والمياه تحت السطحية وبعدهما عن سطح الأرض، وسلمت التقرير لمرفق مياه القاهرة الكبرى وقتها بتوصيات تشدد على ضرورة منع البناء السكنى فى المناطق المحيطة والقريبة من المنطقة الأثرية، لأن تسرب مياه الصرف الصحى من هذه المساكن – وفقًا للتقرير- تسبب فى ارتفاع نسبة المياه تحت السطحية في هذه المنطقة المهمة، مما يهدد الآثار الموجودة بها ويعرضها لخطر الانهيار.

 

بعد مرور أكثر من ثلاثين عامًا منذ هذه الواقعة يمكننا أن نستنتج أن الحكومات المصرية طوال عهدى الرئيسين أنور السادات وحسنى مبارك تجاهلت الأمر تمامًا، بدليل زيادة الزحف العمرانى فى المناطق المحيطة بالمنطقة الأثرية.
ويقول الجزار تعليقًا على تقرير المنحة الألمانية: «هذا التقرير يؤكد أن أزمة المنطقة الأثرية تتعلق بارتفاع نسبة المياه تحت السطحية وليس بالمياه الجوفية، فالحد الآمن للمياه تحت السطحية لا بدَّ ألا يقل عن 9 أمتار، وإذا كان التقرير الألمانى رصد تلك النسبة المرتفعة في الثمانينيات، فلابد أن نسبة المياه تحت السطحية ارتفعت بشكل كبير أسفل المنطقة خلال الثلاثين عامًا الماضية، وقد تكون وصلت الآن إلى مترين بالقرب من سطح الأرض، وهذه كارثة بكل المقاييس».

جلسة مارس 2008

ما مصدر المياه تحت السطحية التى ارتفع منسوبها أسفل المنطقة الأثرية بالأهرامات؟

توجهنا إلى د. مغاوري شحاتة أستاذ المياه الجوفية ورئيس جامعة المنوفية الأسبق– توفى أثناء إجراء التحقيق- ليجيب عن هذا السؤال، فرد: «المنطقة ترتفع بها نسبة المياه تحت السطحية بسبب تسربات مياه الصرف الصحي الصادرة عن المناطق العشوائية والأراضي الزراعية المحيطة بالمنطقة، بالإضافة إلى المساكن التى بنيت على هضبة الأهرام فيما بعد، بالإضافة إلى أن أنظمة الصرف الصحى فى مصر بشكل عام -والتى نفذت في عهد مبارك- غير جيدة على الإطلاق، مما يعنى أن حتى الشبكات تسرب مياه الصرف لباطن الأرض، فتتفاعل المياه مع الحجر الجيرى الذى تتكون منه تربة المنطقة بالكامل وتفتته مع الوقت، وهذا الأمر أثير داخل الجهات المعنية فى عهد مبارك أكثر من مرة لكن الدولة وقتها تعمدت إخفاءه والتكتم على تفاصيله».

سألناه عن أهم الوقائع التى حضرها بشخصه داخل الجهات المعنية وأثيرت خلالها هذه الأزمة، فرد: «كنت عضوًا فى لجنة استشارية ناقشت خطورة ما تتعرض له المنطقة الأثرية داخل أحد اجتماعات لجنة الثقافة والآثار والسياحة بمجلس الشعب في مارس عام 2008، وأثناء الاجتماع ناقشنا الأمر من جميع جوانبه وحددنا مسئولية الجهات المعنية، لكن كالعادة لم تنشر تفاصيل الجلسة فى وسائل الإعلام وقتها بحكم حساسية الأمر، ولم تتحرك اللجنة خطوة واحدة لحل هذه المشكلة».

توجهنا إلى مقر البرلمان المصرى للبحث عن محضر الاجتماع الذى وقع في مارس عام 2008، وداخل مكتب لجنة الثقافة والإعلام التقينا أمين اللجنة وشرحنا له طبيعة الأمر وطلبنا منه الاطلاع على أرشيف جلسات واجتماعات اللجنة في 2008، وكان متعاونًا لأقصى درجة، بحثنا بين الوثائق المتعلقة باجتماعات اللجنة لكننا لم نجد ما نبحث عنه بسبب ضياع بعض المحاضر بعد حل البرلمان عقب ثورة 25 يناير 2011.

لم نجد أمامنا سوى البحث فى مكتبة البرلمان نفسه.

يوم كامل نبحث فى أرشيف اجتماعات اللجنة ونسخ الجريدة الرسمية، حتى وجدنا ملخصًا لمحضر اللجنة على الأرشيف الإلكترونى لجلسات اللجان البرلمانية بتاريخ مارس 2008.

ويذكر المحضر أنه بحضور ممثلى الجهات المعنية (وزارة الثقافة والآثار- وزارة الري- محافظة الجيزة) بالإضافة إلى عدد من الخبراء وباقي أعضاء اللجنة، نوقشت الأسباب والتداعيات التى تسببت فى وجود مياه أسفل حجرة الدفن بالهرم الأكبر والمنطقة الأثرية بشكل عام.

وذكر المحضر أن كل الجهات المعنية كانت على علم كامل بخطورة المياه الموجودة أسفل المنطقة، إلا أن كل جهة كانت تنتظر تحركًا من باقي الجهات لحل المشكلة، وأن رئيس اللجنة اللواء أحمد أبو طالب اعتبر الوضع شديد الخطورة.

فيما أكد أحد الخبراء الحاضرين، وهو أستاذ بكلية الهندسة وعضو اللجنة المشكلة لتحديد أسباب ظهور المياه أسفل حجرة الدفن التى تقع فى منتصف المسافة بين تمثال أبو الهول وهرم الملك خفرع، أن اللجنة أثبتت أن منسوب المياه المرتفع الذى يهدد «أبو الهول» وباقي المنطقة الأثرية مصدره (المناطق العشوائية المحيطة بالمنطقة ومن بينها عشوائيات نزلة السمان، وأحد الفنادق المجاورة للمنطقة، وترعة المنصورية – تم تغطيتها فيما بعد ولا تمثل خطرًا الآن- وعمارات هضبة الأهرام، والأراضي الزراعية المحيطة).

كما أكد الخبير الهندسى أيضًا أن التقارير توصلت إلى ضرورة التدخل هندسيًا لحل مشكلة المياه الموجودة بالمنطقة، إلا أن هيئة الآثار رفضت تدخلهم بشكل قاطع، لأن الحل المقترح يتضمن التدخل في بعض المقابر الأثرية، فرد ممثل وزارة الثقافة على الخبير الهندسى بأن هيئة الآثار التابعة للوزارة تنتظر قرارًا بالحل من بيت خبرة عالمى لتبت فى الأمر.

بينما نفت ممثلة وزارة الري أن المياه التي تهدد أبو الهول والمنطقة هي مياه جوفية مؤكدة أن مياه الصرف هي السبب، والقت بالمسئولية على الجهات التي تسببت في سوء تنفيذ شبكات المياه والصرف.

وحينما سئل ممثل محافظة الجيزة عن عدم إدخال الصرف الصحى لمنطقة سن العجوز –التابعة لنزلة السمان- قال إنهم في انتظار خطاب من هيئة الآثار للبدء.

وانتهى الاجتماع باعتراف رئيس اللجنة اللواء أحمد أبو طالب بخطورة الوضع، مطالبًا الجهات المعنية بعقد اجتماع فى أقرب وقت للوصول إلى قرار نهائى حول الحلول المقترحة والنهائية ليتم عرضها على لجنة الثقافة والآثار والسياحة بمجلس الشعب آنذاك، والتي ستقوم بزيارة المنطقة لدراسة الحلول المقترحة على الأرض.

عشوائيات تطوق الآثار

وفقًا للبيانات التى حصلنا عليها من حي الهرم، يوجد 9 مناطق عشوائية بالحي، تبلغ مساحتها مجمعة 15.2 كيلو متر مربع، ويسكنها 208727 ساكنًا.

ووفقًا لخرائط الحى فإن المناطق العشوائية المحيطة بالمنطقة الأثرية أو التى تقع بالقرب منها هي ثلاث مناطق، وهي بترتيب القرب من المنطقة الأثرية (سن العجوز التابعة لنزلة السمان- كفر نصار – كفر الجبل) وتبلغ مساحة المناطق الثلاث مجمعة 10 كيلو مترات تقريبًا ويسكنها 73 ألف نسمة.

وتكشف الخريطة أيضًا أن سن العجوز وكفر نصّار، هما الأكثر تأثيرًا بالسلب على المنطقة الأثرية، لوقوعهما على حدود المنطقة، بل وتعديهما على الحرم الأثري، ولا يفصلهما عن المنطقة سوى جدار عازل يحيط بها من كل جانب، والجدار تم بناؤه عام 2002 بطول 18 كيلومترًا؛ لكى يعزل المنطقة عن العشوائيات المحيطة.

سن العجوز هى منطقة عشوائية متهالكة وتعتبر الجناح العشوائي لمنطقة نزلة السمان، ولا تبعد عن الواجهة الشرقية للهرم الأكبر أكثر من 100متر، مبنية بالطوب اللبن والطين، تبلغ مساحتها 5.5 كيلو متر مربع، ويوجد بها عدد 735 وحدة سكنية، وعدد سكانها نحو 5654 نسمة وفقًا لآخر البيانات الصادرة عن حي الهرم، وهى مصنفة كمنطقة غير آمنة من الدرجة الثانية، ومناطق الدرجة الثانية يعرفها صندوق تطوير العشوائيات بأنها مناطق ذات عناصر تم بناؤها باستخدام مخلفات مواد البناء، أو منشآت متهدمة ومتصدعة، ومعرضة لخطر الانهيار فى أى وقت.

سن العجوز لم تدخلها شبكات الصرف الصحي من الأساس، وذلك لأن المحافظة رفضت إمدادها بالمرافق والخدمات، لأن المساكن الموجودة بها وضعها غير قانونيا وتقع على أملاك وزارة الآثار، مما يعنى أن إخلاء المنطقة مسألة وقت.

أما عشوائيات كفر نصار فتقع شمال المنطقة الأثرية ومقابلة للمتحف المصري الجديد، شوارعها ضيقة جدًا ومتعرجة‏، وتتراص فيها بيوت من الطوب اللبن والطين، وتمتلئ أسطحها ببقايا مواد البناء والقمامة والحطام وعشش صغيرة للطيور الداجنة، وتبلغ مساحتها 2 كيلو متر مربع وعدد سكانها نحو 31553 نسمة، وهى مصنفة أيضًا كمنطقة عشوائية غير آمنة من الدرجة الثانية.

وحرمت هذه البيوت الآيلة للسقوط من الخدمات والمرافق التى دخلت مؤخرًا لباقي منطقة كفر نصار، لأن هذه العشوائيات تعدت على الحرم الأثرى ووجودها هناك غير قانوني.

مهندس طارق عبدالخالق، رئيس قطاع الصرف الصحي بالجيزة، يشرح لنا كيف يتخلص سكان هذه العشوائيات من الصرف قائلًا: «سكان العشوائيات يتخلصون من الصرف بطريقتين، الأولى عن طريق “طرمبات” تضخ الصرف في باطن الأرض مباشرة، والثانية عن طريق حفر آبار فى باطن الأرض تتصل بـ “طرانشات” الصرف الصحي، وفى الحالتين تتسرب معظم هذه المياه الخارجة من العشوائيات إلى المنطقة الأثرية، وتضر بالآثار».

مساكن الهضبة

فى الجانب الغربى من المنطقة الأثرية تقع مساكن هضبة الأهرام، وهى منطقة تصنف بالحضرية رغم أنها لم تتعرض للتخطيط العمرانى وفقًا لما أكده لنا أحد المسئولين بوزارة التخطيط العمراني، وتم البناء عليها بوضع اليد في التسعينيات، وهى منطقة سكنية كثيفة يسكنها ما يقرب من 100 ألف مواطن على مساحة 1400 فدان، وتعانى من سوء شبكات الصرف الصحى التى نفذت في الثمانينيات والتسعينيات، وهو ما اعترفت به الجمعية المسئولة عن المنطقة، ولأن المساكن تقبع أعلى الهضبة العالية فإن انفجار مواسير الصرف أو تلفها أو تسرب المياه منها، يدفع بالمياه ناحية الأسفل حيث المناطق المنخفضة من المنطقة الأثرية.

د. محمد الجزار يؤكد لنا أن البناء السكنى الكثيف فى هذه المنطقة القريبة من الأهرامات كان خطأ كبيرًا، وأن الحكومات المصرية فى عهدى السادات ومبارك كانت تعلم ذلك لكنها سمحت بتخصيص هذه الأراضى للبناء.

ثم يسرد لنا الجزار واقعة فى غاية الأهمية تخص مساكن هضبة الأهرام، وقعت في عام 1978، عندما تعاقدت الحكومة المصرية مع شركة كندية تدعى « 3m group» وهى شركة مختصة في التعدين، وطلبت وزارة الإسكان وقتها من الشركة الكندية، استكشاف منطقتي «المعصرة» و«هضبة الأهرام»، وتحديد أي منطقة منهما أنسب لبناء مدينة سكنية جديدة.

وكان الجزار مشاركًا في العمل كاستشاري مع الشركة الكندية، وأصدرت الشركة في النهاية تقريرًا يوصى بإمكانية البناء في منطقة المعصرة، ويشدد على خطورة بناء مدينة سكنية في منطقة هضبة الأهرام، لأن ذلك سيؤثر بالسلب على المنطقة الأثرية، لكن وزارة الإسكان وقتها تجاهلت توصيات اللجنة الكندية، ورفضت استلام التقرير كي لا تدفع باقي مستحقات الشركة، مما اضطر الشركة الكندية لمقاضاة الحكومة المصرية وقتها دوليًا للحصول على مستحقاتها».

بحثنا عن موقع شركة « 3m group» الكندية على الإنترنت، وجدناه سريعًا، ووصلنا إلى البريد الإلكتروني الخاص بهم، وأرسلنا رسالة لمسئولي الشركة طلبنا فيها تأكيدًا لهذه الواقعة التي ذكرها الجزار، وإمدادنا بمستندات تشرح النتائج النهائية والتوصيات.

بعد أقل من أسبوع جاء رد الشركة الكندية ليؤكد ما سرده لنا د. الجزار، وأن الشركة بالفعل قامت بهذا العمل فى مصر فى السبعينيات وحذرت من البناء في هضبة الأهرام، لكنها اعتذرت عن تقديم المستندات لنا حيث لم يعد لها وجود بحكم قدم الواقعة.


مياه الصرف الصحي تهدد بانهيار الأهرامات

وفقًا لسلسلة كتب «موسوعة مصر الحديثة» الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، تتكون المنطقة الأثرية بشكل خاص ومنطقة هضبة الأهرام بشكل عام من طبقة سميكة من الحجر الجيرى.

ويعرف لنا د. حسن بخيت رئيس شعبة الجيولوجيا بنقابة العلميين الحجر الجيري بأنه (كربـونـات الكالسيوم) CaCo3، وهو حجر رسوبي ناشئ من رواسب أحياء مائية متكلسة كالمرجان والمنخربات والرخويات وكذلك من أحبار وقواقع بحرية، وهو الصخر الذى يستخلص منه الجير (Lime)، ويطلق على الصخور التي تحتوى على (50%) أو أكثر من الكلسيت أو الدولوميت.

سألنا د. مغاورى شحاتة عن سبب خطورة تسرب المياه تحت السطحية لتربة هضبة الأهرام الجيرية فأجاب «هضبة الأهرام مكونة من الحجر الجيري، وعلميًا الحجر الجيري أو الكالسيوم كاربونيت هو حجر قابل للكسر ومتشقق وقابل للتفاعل مع المياه H2O إذا وجد ثاني أكسيد الكربون CO2 ، ليعطينا مركبًا جديدًا هو حامض الكربونيك H2O3، وتفاعل كربونات الكالسيوم (الحجر الجيري) مع حامض الكربونيك يعطينا بيكربونات الكالسيوم CA (HCO3)2 وهى مادة سائلة، أي أن الحجر الجيري في تفاعله مع الماء وثاني أكسيد الكربون يحول الحجر الصلب إلى مادة سائلة ذائبة، فتظهر شقوق متسعة وكهوف وكسور وتجاويف فى الهضبة الكبرى، مما يتسبب فى الهبوط الأرضي المفاجئ والانهيارات المتكررة.

د. عبدالعال حسن – جيولوجي ومستشار هيئة الثروة المعدنية – يشرح لنا خطرًا جديدًا يظهر مع تفاعل آخر بين المياه تحت السطحية والتربة الجيرية ويؤدى إلى اختلاف فى ميكانيكا التربة وهو التفاعل الذى يحدث بين الماء المتسرب والطفلة – هي طبقة طين رفيعة مكونة من صخور رسوبية قريبة من سطح الأرض فى المناطق المتكونة من حجر جيري- لأن هذه الطبقة جافة وجامدة فعندما تتفاعل مع المياه تفاعلًا غير كيميائي، تنتفخ هذه الطبقة الطينية وتتضخم ثم تضعف جدًا وتتحول لطبقة هشة أقرب إلى الإسفنج، وبالتالي تكون قابلة للتضاغط، وهذا يعنى أن التربة أصبحت غير قادرة على احتمال أى مبنى تم بناؤه فوقها، وهذا بالضبط ما تسبب فى انهيارات سابقة في المقطم والدويقة ومنشية ناصر واسطبل عنتر وعزبة الوالدة وتل العقارب، وأزمة هضبة الأهرام أن تربتها لا تختلف عن تربة هذه المناطق».

الجهات المعنية ترد

تواصلنا مع محافظة الجيزة كتابيًا، وطلبنا الرد على ما نشرناه وعن مسئولية المحافظة عن أزمة المياه أسفل المنطقة الأثرية.

بعد أيام من تقديم الطلب تلقينا اتصالًا من اللواء كمال الدالى محافظ الجيزة السابق ( من 2015 حتى أغسطس 2018 ) ليرد باهتمام شديد على ما ذكرته بالتفصيل فى الطلب وأكد أن المنطقة تحت سيطرة وزارة الآثار ولا علاقة للمحافظة بها.

أما بخصوص العشوائيات المحيطة بالمنطقة الأثرية أكد الدالى أن هذه العشوائيات ميراث قديم تراكمت أزماته منذ عشرات السنين، وأنه يعمل على تطوير أحياء المحافظة وتحديدًا حى الهرم لما له من أهمية سياحية، مؤكدًا أن شبكات الصرف الصحى وغيرها من الخدمات والمرافق تم إدخالها للعديد من المناطق التى حرمت منها طوال السنوات السابقة، لكن المناطق العشوائية المهددة بالانهيار والمحيطة بالمنطقة الأثرية لا يمكن أن تستمر في مكانها، لذا لم تدخلها معظم الخدمات والمرافق، وشدد على ضرورة استجابة الأهالى لخطة الدولة لإزالة العشوائيات التى تضر بساكنيها كما تضر بالآثار أيضًا.

توجهنا بعدها إلى المهندس وعد الله أبو العلا رئيس قطاع المشروعات بوزارة الآثار، وهو المسئول عن كل المشاريع الخاصة بالمنطقة الأثرية، لم ينكر أن المنطقة الأثرية تتعرض لخطر كما وثقنا بالتحقيق، وأكد أن الوزارة مدركة لحجم المشكلة، وأنهم قاموا بالفعل بعمل نظام حديث لسحب المياه الموجودة أسفل تمثال أبو الهول كلما زاد ارتفاعها عن حد معين، وبهذه الخطوة أصبح أبو الهول آمنًا تمامًا من الانهيار ومن خطورة المياه تحت السطحية أسفل المنطقة.

سألناه عن باقي المنطقة. وعن حجم الخطورة؟ وهل بدأت الوزارة فى حل المشكلة؟

أجاب: «لا يمكن إنكار أن باقى المنطقة الأثرية تواجه مشكلة بسبب المياه المتسربة للآثار، لكن من الصعب أن ننفذ نظام سحب المياه المستخدم عند «أبو الهول» ونعممه في باقي المنطقة، هذا أمر مكلف جدًا لا يمكن أن تتحمله الوزارة الآن، لأنه يحتاج إلى نظم حديثه جدًا ومكلفة جدًا أيضًا».

سألناه عن الحل؟

فأجاب: «الحل أن تخلى أولًا المناطق العشوائية المحيطة بالمنطقة الأثرية والتى تتسبب فى تسرب مياه الصرف وتهدد الآثار، ولا بدّ أن يستجيب السكان لخطة تطوير المنطقة التى وضعتها الدولة بميزانية نحو 500 مليون جنيه ونعمل الآن على تنفيذها، وقتها سنتخلص من 75% من المشكلة، وبعدها سنضع مسألة سحب المياه من أسفل باقي المنطقة في الحسبان، لكن لا بدَّ أن نتخلص من المصدر أولًا، ثم نقضى على ما تبقى من المشكلة، كما أننا نسعى مع الجهات الأخرى لوقف البناء فى المناطق المحيطة بالمنطقة الأثرية، وبدأنا بأنفسنا في هذا الصدد، حيث قمنا بإزالة مبنيين تابعين للوزارة كى لا نعوق خطة التطوير».

تابعنا على نبض

قد يعجبك ايضا
اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.