بث تجريبي
منصة رقمية متخصصة بقضايا التغير المناخي في مصر والشرق الأوسط

عاصمة عربية ضمن أكثر مدن العالم تضررًا من الاحتباس الحراري

لم يعد لدى البشرية كثير من الوقت لدرء آثار تغير المناخ ووقف تفاقم الاحتباس الحراري في العالم، ورغم أن الأمور ازدادت سوءًا وتعقيدًا في السنوات الأخيرة، إلا أن الفرصة لا تزال موجودة وفق ما أكده التقرير الأخير للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكنها الفرصة الأخيرة على ما يبدو.

توقع تقرير صادر عن معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية أن تكون العاصمة العراقية، التي تشهد بالفعل موجات حرارة أطول كل صيف مع ارتفاع حاد في درجات الحرارة إلى الذروة، واحدة من أكثر الأماكن تضررًا من الاحتباس الحراري في العالم.

تتوقع الدراسة أن عدد الأيام التي بلغت فيها درجات الحرارة في بغداد 49 درجة مئوية، سترتفع من حوالي 14 يوم في السنة إلى أكثر من 40 يوم خلال العقدين المقبلين.

سجلت بغداد رقمًا قياسيًا جديدا عند 51.7 درجة مئوية في 28 يوليو 2020، وفي اليوم التالي، انخفضت درجة الحرارة إلى 51.1 مئوية.

بينما ترتفع درجات الحرارة العالمية بشكل مطرد بسبب تغير المناخ وتفاقم الاحتباس الحراري في العالم، ترتفع درجة حرارة العراق بمعدل يفوق ضعفي المعدل العالمي وفقًا لبعض الدراسات الحديثة.

تقول فلورنس جوب، نائبة مدير معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية بباريس: ” يظن معظم الناس أن أثار تغير المناخ والاحتباس الحراري في العالم ستظهر اعتبارًا من عام 2030 وما بعده، لا، إنها ظهرت بالفعل”.

مع اشتداد تغير المناخ، يمكن أن تشهد المدن الكبرى حول العالم زيادات كبيرة في درجات الحرارة بسبب ما يسمى بتأثير “جزر الحرارة الحضرية” أو ما يسمى أيضًا بتأثير “الوادي الحضري”.

ظاهرة الجزر الحرارية باختصار هي زيادة درجة الحرارة في مناطق معينة في المدن بسبب عوامل مختلفة مثل البنايات ذات اللون الداكن التي تحبس الحرارة، بجانب الحرارة الناتجة عن الأسفلت المصنوع من الإسمنت.

يسيطر اللون الداكن على عدد كبير من ناطحات السحاب والبنايات بصفة عامة في المدن الكبيرة والمزدحمة، وهذا السبب هو عامل مهم في حدوث ظاهرة الجزر الحرارية الحضرية لأن اللون الداكن يمتص كمية كبيرة من أشعة الشمس ومن ثم يحولها إلى الطاقة الحرارية.

كذلك الرصيف الإسمنتي الذي يخزن كمية كبيرة من الأشعة مما يزيد الحرارة في المنطقة المحيطة، هذا بالإضافة إلى بعض العوامل الأخرى مثل زيادة المركبات والأجهزة مثل أجهزة التكييف التي تصدر كمًا كبيرًا من الحرارة، لنجد في النهاية تراكم من الطاقة الحرارية التي تزيد درجة الحرارة في تلك المناطق.

تأثير الجزر الحرارية نراه بشكل ملحوظ في وسط المدينة في العواصم والمدن الكبرى مثل بغداد ونيويورك وطوكيو والقاهرة.

تشبه جوب مدينة تعاني من احترار شديد بالإضافة إلى وقوعها تحت تأثير ظاهرة “جزر الحرارة الحضرية” بأنها مثل “جسم مصاب بالحمى ولا يستطيع التعرق، حيث لا توجد طريقة للهروب من الحرارة”.

هذا يعني أنه في بغداد، كما تقول جوب، “سيكون الطقس أكثر سخونة من أي مكان آخر في العراق”.

ما يزيد المشكلة أن بعض أجزاء بغداد ستكون أكثر سخونة من أجزاء أخرى في نفس المدينة، حيث وجدت إحدى الدراسات التي أجراها باحثون عراقيون العام الماضي أن درجات الحرارة القصوى في مناطق مختلفة من العاصمة تفاوتت بما يصل إلى درجة مئوية في نفس اليوم بالضبط.

على جانب أخر، ظاهرة الجزر الحرارية الحضرية في العواصم والمدن الكبرى، لها آثار مباشرة تتعلق بالاقتصاد، فمثلاً زيادة درجة الحرارة في المدن المزدحمة والمليئة بمباني داكنة يجعل الناس مضطرين إلى استخدام مكيفات الهواء بدرجة أكبر، ومن المعروف أن المكيفات تستهلك كمية كبيرة من الطاقة وزيادة الاستهلاك تعني زيادة الإنفاق المالي بجانب زيادة التلوث أيضًا.

يمكن أن نرى تأثير ذلك بوضوح على مدينة مثل بغداد، ففي يونيو الماضي، ارتفعت درجة الحرارة في بغداد ووصلت إلى 48.8، وفي نفس التوقيت، حدث انقطاع هائل في التيار الكهربائي بسبب ضغط الاستهلاك، تاركًا العديد من السكان في المدينة، التي يبلغ عدد سكانها 7 ملايين نسمة، دون مراوح أو مكيفات هواء.

ساهم الإحباط من عجز الحكومة عن الاستجابة لموجات الحر في احتجاجات مناهضة أدت في النهاية إلى إجراء انتخابات جديدة.

 

اقرأ أيضًا.. ما هو تغير المناخ؟ كل شيء عن أزمة القرن الـ 21

 

الاحتباس الحراري والعراق

تقول جوب إن التخطيط الجيد، وزيادة المساحات الخضراء، وزراعة عدد من الأشجار يمكن أن يساعد في تعويض آثار تغير المناخ في بغداد.

تضيف: “هناك أدوات لمواجهة هذا التحدي، لكن هناك سوء إدارة على نطاق واسع حولت العراق إلى بيئة معادية للبشر”.

يوافق رئيس قسم الهندسة المعمارية في جامعة بغداد، ضرغام العبيدي، على أن مجموعة متنوعة من العوامل، بما في ذلك النمو الحضري غير المنضبط، تهدد بغداد بجعلها أكثر سخونة في السنوات القادمة.

يقول العبيدي إن هناك قواعد بناء وأنظمة أساسية لتقسيم المناطق في العراق، لكن هذه القواعد تنتهك بانتظام.

يضيف العبيدي: “سمح سقوط النظام البعثي وصدام حسين، في عام 2003، لمعظم الناس ببناء ما يريدون بشكل عشوائي”.

يشير العبيدي إلى موقع بناء ضخم في جنوب نهر دجلة، من المقرر أن يكون أكبر مركز تسوق في العراق، بمساحة تجارية تبلغ 5 ملايين قدم مربع، مؤكدًا أنه في السابق كان عبارة عن مساحة كبيرة من البساتين والأراضي الزراعية التي قسمت بشكل عشوائي فيما بعد إلى مساحات للبناء السكني.

يقول العبيدي إن العراقيين ذوي الميزانيات المحدودة يبنون هذه الأنواع من المنازل لزيادة مساحة معيشتهم الداخلية حتى تتمكن من استيعاب أكبر عدد ممكن من الأفراد.

لكنهم خلال هذه العملية يقومون بتحويل ما كان في السابق بساتين وأراضٍ زراعية إلى كتل من الخرسانة والطوب تحبس المزيد من الحرارة.

الأسوأ من ذلك أن العراق لديه شبكة كهرباء متهالكة بشكل كبير، لذلك ما لم تكن الأسرة قادرة على تحمل تكلفة المولدات، فلن يكون لديهم مكيفات هواء تساعدهم على تحمل حرارة الصيف الشديدة.

يقول العبيدي: ” ستكون كارثة عندما ينقطع التيار الكهربائي لفترة في بغداد، لن يتمكنوا من البقاء داخل المنزل ساعة واحدة.

يقول العبيدي إنه يمكن تنفيذ الكثير من الحلول لجعل بغداد أكثر برودة في ظل تفاقم الاحتباس الحراري في العالم، لكن الأمر يحتاج إلى تخطيط محكم في البناء كما كان في الماضي، وليس البناء بعشوائية.

يؤكد الخبراء أن زراعة كم كبير من الأشجار عبر استراتيجية بيئية موجهة في محيط التجمعات السكنية الكبيرة، مع زراعة النباتات على أسطح البنايات يمكن أن يساهم في حل أزمة بغداد.

مع العلم بأن هذا الحل لن يكون مؤثراً إلا إذا تم على نطاق واسع ويجب أن يكون من خلال دراسة دقيقة لكافة المتغيرات البيئية، مع إصدار قوانين تلزم أصحاب البنايات، خاصةً الضخمة منها، بزرع النباتات على الأسطح.

بالإضافة إلى إلزام أصحاب المباني بطلاء الأسطح باللون الأبيض الذي يساعد على الحد من ظاهرة الجزر الحرارية الحضرية.

إذا لم تتغير الأمور بشكل كبير وسريع في العراق، ستواجه البلاد سنوات صعبة جدًا في المستقبل كما أكدت الباحثة في الاتحاد الأوروبي فلورنس جوب.

تابعنا على نبض

قد يعجبك ايضا
اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.